- عماد العتابي
في لحظات الأزمات الكبرى، تتكشف المعادن الحقيقية للشعوب، وتُعاد صياغة مفاهيم الانتماء بعيدا عن الاصطفافات الضيقة. وتسقط الكثير من الأقنعة، وتظهر الفوارق الحقيقية بين معارضة حقيقية تبحث عن تغيير أو إصلاح، وأخرى مرتزقة لا ترى في الأزمات سوى فرصة للانقضاض على السلطة حتى وإن كان ذلك على حساب كرامة وسيادة ووحدة الوطن.
في الحالة الإيرانية، يبرز نموذج مختلف؛ نموذج من “المعارضة الوطنية” التي ترفض أن يكون خلافها مع السلطة مدخلا للتخلي عن الوطن.
إيران، بتاريخها الممتد لآلاف السينين، ليست مجرد دولة حديثة، بل كيان حضاري عميق الجذور، تشكّلت فيه فكرة الانتماء على مدى قرون.
هذا العمق يفسّر إلى حد بعيد كيف يمكن لمعارضين شرسين أن يختلفوا مع النظام، لكنهم في لحظة الخطر يختارون الاصطفاف إلى جانب بلادهم.
في هذا السياق، تحوّلت عودة المخرج الإيراني جعفر بناهي إلى طهران إلى رمز يتجاوز شخصه. الرجل، المعروف بمواقفه النقدية، وبصراعه الطويل مع السلطات، ورغم ما واجهه من قيود قانونية وأحكام قضائية، لم يتردد في العودة إلى بلده في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تصاعد العدوان الصهيوأمريكي والضغوط الخارجية.
هنا تحديدًا تتجلى فكرة “الوطنية الفارسية” بوصفها حالة تتجاوز الشعارات. فهي ليست ولاء أعمى للسلطة، بل ارتباط عميق بالأرض والهوية والتاريخ. ولذلك، لم يكن مستغربا أن يختار بعض المعارضين العودة، أو إعلان موقف واضح برفض أي تدخل خارجي، حتى وإن استمروا في معارضة سياسات الداخل.
لهذا أقولها دائما وبلا تردد حين يتعرض وطنك للعدوان، فإن الوقوف معه ليس خيارا قابلا للنقاش، بل موقف حاسم لا يحتمل الرمادية. فيمكن أن تعارض، أن تنتقد، أن تختلف كما تشاء، لكن لحظة استهداف الوطن تسقط كل الحسابات، ولا يبقى إلا موقعك الحقيقي.. مع بلدك أو ضده.
ما تفعله المعارضة الإيرانية اليوم يضع حدا لهذا الالتباس؛ فهم يعارضون السلطة، لكنهم لا يفتحون أبواب بلادهم لرياح الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذه ليست مجرد وطنية، بل كرامة سياسية لا تُشترى.
أما أنا، فلا أرى في هذا المشهد إلا حقيقة واحدة، أن الأوطان لا تُحمى بالحياد، ولا تُصان بالشعارات، بل بمواقف واضحة في زمن الخطر. وفي هذه اللحظة تحديدًا، الموقف الواضح هو أن تكون مع وطنك، دون تردد.
