جهة الشمال/الريف
تعيش أقاليم جهة الشمال/الريف حالة استنفار بعد الأمطار الطوفانية التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الماضية، والتي أدت إلى فيضانات وانقطاع طرق وانهيارات أرضية، خاصة في المناطق الجبلية ودائرة كتامة. ووصف السكان الوضع بـ”الكارثي”، حيث تأثرت الحياة اليومية بشكل كبير، وتضررت المنازل والممتلكات، في وقت صعب فيه الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وشهدت مدينة القصر الكبير غرقا شبه كامل لبعض الأحياء، فيما وضعت الأمطار مدينة تطوان وشفشاون ونواحي الحسيمة على حافة الخطر، مع ارتفاع حالات الانزلاقات الأرضية وتهديد المنازل بالانهيار. وعبرت العديد من القرى والمداشر عن معاناتها بسبب صعوبة التنقل وانقطاع الكهرباء، وهو ما أدى إلى شعور السكان بالعزلة والقصور في التدخلات الحكومية.
الطرق الوطنية والجهوية تحولت إلى “مصائد موت”، بحسب شهود عيان، نتيجة الانقطاعات المتكررة وسقوط الحجارة وانجرافات التربة وحفر كبيرة على طرق رئيسية، ما تسبب في تعطل الحركة وعرقل الخدمات اللوجستية الأساسية، بما في ذلك وصول المواد الغذائية والإسعاف.
في هذا السياق، أصدر المكتب الجهوي لحزب النهج الديمقراطي العمالي بجهة الشمال/الريف بيانا شديد اللهجة، اعتبر فيه أن الكارثة ليست مجرد نتيجة للأمطار الغزيرة، بل “تعكس تراكم عقود من الإهمال السياسي والاقتصادي، وسياسات الريع التي حولت البنية التحتية إلى هياكل هشّة لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي”.
وأوضح الحزب أن مشاريع التنمية التي تم الترويج لها على أنها “كبيرة” أو “مندمجة” أثبتت هشاشتها البنيوية، وافتقارها لأبسط معايير السلامة والاستدامة. وأشار البيان إلى أن ما يُسمى بـ”العدالة المجالية” لم تنعكس على الواقع، وأن السياسات المتبعة لم تخدم السكان، بل كانت موجهة لتعزيز مصالح شبكات الريع ونهب المال العام.
ولم تقتصر الأزمة على البنية التحتية، بل امتدت لتطال الاقتصاد المحلي. فقد توقفت الحركة التجارية بشكل شبه كامل، وتضرر الفلاحون والتجار الصغار، بينما شهدت الأسواق المحلية اضطرابًا في التوريد والتسويق. ونتيجة لذلك، تفاقمت الهشاشة الاجتماعية، ما يزيد من الضغط على السكان الذين يعانون أصلاً من محدودية الخدمات الأساسية والفوارق التنموية.
وأبرز البيان ما وصفه بـ”العجز والتواطؤ” من جانب السلطات المحلية، التي اكتفت بإصدار بيانات مطمئنة، دون تنفيذ حلول ملموسة على الأرض. كما انتقد الحزب أسلوب الرد الرسمي على الكارثة، معتبرا أن “الخطابات التحسيسية وزيارات المسؤولين الميدانية الاستعراضية ليست سوى مسرحية لتخدير الغضب الشعبي”.
اختتم البيان بالدعوة إلى بناء تنمية شعبية ديمقراطية، تضع الإنسان وحقه في الحياة والكرامة في صلب السياسات العمومية، وتقطع مع منطق الريع والمشاريع الوهمية. كما شدد على ضرورة محاسبة المسؤولين، وتعزيز البنية التحتية لضمان حماية السكان، وتوفير بدائل حقيقية في مواجهة الكوارث الطبيعية.
وتعكس هذه الأزمة هشاشة البنية التحتية وضعف الاستعداد لمواجهة الطوارئ، لكنها أيضا فرصة لإعادة النظر في السياسات التنموية بالجهة، وإعطاء أولوية للاستثمار الحقيقي في الخدمات العامة، وتطوير شبكة طرق آمنة، وتحسين القدرة على التعامل مع الكوارث الطبيعية، بما يضمن حياة كريمة للمواطنين.
