- عبد الباسط منادي إدريسي
مراجعة لكتاب د. عبد المجيد حنوم Abdelmajid Hannoum, the Invention of the Maghreb.
سنة 2021 نشر المؤرخ والأنثروبولوجي المغربي الدكتور عبد المجيد حنوم، أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية بجامعة كنساس وخريج جامعتي السوربون وبرينستون كتابا عن دار النشر جامعة كامبريدج تصدر مبيعات الكتب لعدة أسابيع في الولايات المتحدة بعنوان اختلاق المغرب الكبير بين إفريقيا والشرق الأوسط. يعمد كتاب الدكتور حنوم إلى الإجابة عن سؤال مركزي هو: ما الذي يمنع قيام الاتحاد المغاربي اليوم؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يعود الدكتور حنوم إلى قطر شمال إفريقيا العربي الأمازيغي ما قبل الكولونيالي، أي قبل أن تحدد ظروف احتلال المغرب الكبير واستقلاله من ربقة الاستعمار المباشر حدود دوله القطرية من ليبيا شرقا إلى المغرب غربا. ثم يتجه بعدها إلى التحوير الكولونيالي الفرنسي للمعرفة التاريخية والثقافية العربية المتوفرة حول المغرب الكبير، حيث عمد مترجمون لنصوص ابن خلدون مثلا إلى تحوير مفاتيح نصوصه المفاهيمية إلى معجم ينهل من الفكر الفرنسي القومي المعاصر معبدا بذلك الطريق لخلق أقطار قومية سياسية متقاطبة وليترك إرثا من الإشكالات الثقافية والعرقية واللغوية والسياسية التي يرى أنها تقف عائقا اليوم أمام بناء صرح الاتحاد المغاربي.
على الرغم من أن المغرب الكبير كقطر جغرافي يعرف تنوعا جغرافيا وسكانيا بهوية سياسية وثقافية موحدة عند مؤرخين ما قبل كولونياليين مثل ابن عذاري المراكشي وعبد الرحمان ابن خلدون إلا أن السلطة الكولونيالية الأولى في المنطقة أي فرنسا عملت على تحوير وتشويه تصورات المغرب الكبير هاته عبر الترجمة لخلق أقطار قومية متفتتة ومجزأة وخاضعة لسيطرتها. فنجد المغرب بمناطقه الثلاثة الأقصى والأوسط والأدنى عند ابن عذاري مثلا قطر تتكامل فيه أدوار الشرائح السكانية المشكلة له في تناغم يمكن عده سبقا في تنظيم التعدد. فالمغرب الكبير عند ابن عذاري قطريا هو المنطقة التي تقع بين برقة شرقا (أي ليبيا اليوم) والأطلسي غربا تحدها مصر إلى الشرق والأندلس آنذاك إلى الشمال وأرض السودان جنوبا.
ولا نجد في كتاب ابن عذاري البيان المغرّب في أخبار الأندلس والمغرب أي إشارة عن وجود اختلال عرقي بين ساكنة المغرب من الأصول الأربعة العرب والبربر والأفارقة واليهود، بل تختص كل فئة عرقية تلقائيا بمهام متكاملة ساهمت ظروف تعايش الأعراق في تشكلها عبر الزمن، فيختص العرب بتشكيل نخب دينية وعلمية وسياسية، بينما يشكل البربر العمود الفقري للقوة الاقتصادية المغاربية وعماد الجيوش المرابطية والموحدية بينما اختص اليهود بالصيرفة والتجارة في حين انحصرت مهام السودان في المشاركة في الجيوش والتجارة مع جنوب الصحراء. ولم تكن هذه الأدوار تقوم على تمييز عرفي أو مكتوب يحصر طموح أفراد جماعة في المهام المتوارثة كما تواجد في إمبراطوريات كالإمبراطورية الإسبانية في أمريكا اللاتينية، بل وُجد مثلا بين البربر من اهتم بالعلم والتصوف والسياسة.
لكن الترجمة الكولونيالية لأعمال المؤرخ عبد الرحمان ابن خلدون مثلا عمدت إلى تحوير وتشويه هذا التصور القائم عن المغرب الكبير، وعملت من خلال تقديم فكره على شكل تصور يتخذ من الحدود القطرية القومية لدول المغرب الكبير، كما نعرفها اليوم، على أنها أساس لجهودها في تفتيت المنطقة، وخلق مشاكل قطرية قومية واختلالات عرقية ولغوية وثقافية تخدم مصلحتها في السيطرة واستدامتها. فكان هذا التراتب الذي يفهم به البعض اليوم العلاقات بين الجماعات المشكلة لدول المغرب. كان التصور السائد لدى الفرنسيين عن المغرب عند بدايات أطماعهم الاستعمارية في المنطقة تنهل من الإرث الروماني، حيث قُدّمت المنطقة من قبل فنيي الخرائط الجغرافيين باسم بارباري. ومن خلال قراءة سيميائية للخرائط الكولونيالية التي دُبّجت من قبل فرنسيين ك جون باتيست دانفيل خلال منتصف القرن 18 عشر للمنطقة كان الفهم السائد عنها هو أنها تحدُّ شرقا بمصر وجنوبا بحاجز الصحراء أو بلاد السودان Pays des Négres.
أما من حيث التصور العرقي والحضاري للمنطقة فكان المغرب أو بارباري أو شمال إفريقيا، وهذه تسميات كولونيالية تحمل في طياتها دلالات الغرض منها تبرير الاجتياح الاستعماري لاحقا. فبارباري إذا تقع بين الحضارة الأوروبية شمالا وبين الهمجية الزنجية جنوبا. كما أن تسميتها بارباري المشتقة من كلمة البربرية ذات دلالات تشير إلى موقع المغرب الكبير في هذه التراتبية الحضارية التي خلقها الفرنسي والأوروبي عموما. ففرنسا هي الحضارة، أما بارباري أو المغرب الكبير ففضاء للبربرية والقرصنة والفوضى والنهب والحرب. أما أرض السودان إلى الجنوب فهي أرض البدائية والهمجية والوحشية. وكتبرير قُدّم الاستعمار الفرنسي للمنطقة كعملية إحلال السلام بدل الفوضى والقرصنة وإحلال الحضارة الفرنسية وريثة الحضارة الرومانية التي تواجدت بالمنطقة قبل الفتح الإسلامي محل البربرية، بحيث عملت مجموعات الأركيولوجيين على التنقيب عن الآثار الرومانية وقدمت للجمهور الفرنسي كتيبات إرشاد سياحية عن مناطق تواجد هذه الآثار بينما غيبت الحضور الإسلامي في المنطقة تغييبا تاما.
ولما كانت الحضارة الإسلامية حضارة متخلفة متردية منهارة في عرف الاستشراق الفرنسي، وهذا تصور نجده لدى كثيرين اليوم في الإكثار من تبرمهم من الأثر الإسلامي، فقد قُدّم الأمازيغ على أنهم أوروبيون بدائيون يجب على المهمة التحضيرية la mission civilizatrice الفرنسية أن تعدهم للحاق بها، بينما سيُترك العربي لمصيره كمترحل مخرب للحضارة يعيش على الرعي والترحل. يقول المؤرخ والإثنولوجي الفرنسي إميل فيليكس غوتييه «إن العربي هو عدو الحضارة … ويجب القيام بأمرين لجعل الجزائر فرنسية: أولا يجب تهميش العربي وتعليم البربري للحاق بركب أوروبا.»
وعلى الرغم من أن الحركة السلفية المقاومة في المغرب الكبير قدمت سردية كانت تريد منها تقديم تصور بديل عن المنطقة ضدا على الخطاب والسردية الأوروبية إلا أنها أعادت التوكيد على التقسيم القطري القومي الذي أوجده الاحتلال الفرنسي، وبالتالي فقد نجح المخيال الكولونيالي التفتيتي أيما نجاح بعدما أصبح من يقاومون وجوده يتبنون التقسيم الذي أحدثه هذا الاستعمار: المغرب الجزائر تونس وليبيا وموريتانيا لاحقا.
يقول حنوم: «إن السلطة الكولونيالية كانت من القوة بحيث أنها لم تثبت فعاليتها وانتشارها فقط، بل غيرت أولئك الذين قاوموا أثرها وحولت أعمالهم إلى تواطئ خطابي. فلا يمكن أن يفكروا في المغرب الكبير إلا داخل التصور الخطابي الفرنسي عن المنطقة…فقد كانت مبادراتهم دائما ردود فعل، وحملت ردود فعلهم منطق وديناميات السلطة الكولونيالية.»
وعلى الرغم من أن جيل المؤرخين المعاصرين مثل عبد الله العروي، يقول الدكتور حنوم، كانوا أكثر جرأة إلا أنهم، العروي مثلا، حولوا الجدل والصراع العرقي في دول المغرب، وهو بناء واختلاق كولونيالي إلى صراع بيـطبقي داخل القطر القومي الواحد، وذلك بحقول دلالية ولغة مستقاة من فكر اليسار الجديد، بينمى تناسى هؤلاء أن الأصل في مفهوم الصراع الطبقي في الفكر الماركسي هو الصراع العرقي، وعليه لم يكن لجهودهم في استكمال التحرر أثر كبير. لذلك يقول حنوم: لقد باع الفكر القومي في المغرب فكرة التحرر التام لما يزيد عن نصف قرن من الزمن دون وجود أثر. والبديل بالنسبة إليه يقول: «يجب إخضاع القومية في المغرب الكبير لنقد شديد يبدي حدودها ويؤسس للشروط الضرورية لتجاوزها.»
يحدد الدكتور حنوم ثلاثة عوائق تقف اليوم ضدا على بناء اتحاد مغاربي وهي : الصراع بشأن الصحراء بين المغرب والجزائر وهو صراع سياسي، ثم المسألة الأمازيغية وهي إشكال هوياتي ثقافي لغوي، ثم سؤال اللغة وهو سؤال سيادي. ويرشح نقد القومية و النقاش السياسي العمومي بشأن المغرب الكبير والإبداع الفني الذي يلامس القطر ويقدمه في صيغة موحدة تقف بيروقراطيات الحدود القومية موقف العائق الأول لقيامه.
معطيات الكتاب البيبليوغرافية:
- Hannoum, Abdelmajid. The Invention of the Maghreb: Between Africa and the Middle East. Cambridge University Press, 2021.
