تعرضت الكاتبة الإيطالية نيكوليتا بورتولوتي، المعروفة بأعمالها الأدبية التي تمزج بين التأمل النفسي والتحليل الاجتماعي، لاعتداء وسرقة أثناء زيارتها لمدينة مراكش. أدت الواقعة إلى إصابتها بكسر، لكنها اختارت بعد شفائها أن تكتب عن الحادثة بطريقة تتجاوز الألم الشخصي لتصل إلى تأمل إنساني وأخلاقي أعمق.
في نص نشرته بعد الحادث، قالت بورتولوتي:
“لقد قبضوا عليهم، نعم، والتهمة قد تكون محاولة قتل، لكني آمل إن كانوا شباناً في سن أولادي ألا تكون العواقب قاسية فتدمّر مستقبلهم، بل كافية فقط ليدركوا حجم الضرر الذي ألحقوه، والضرر الأكبر الذي كان يمكن أن يُلحقوه، لأنهم بالتأكيد لم يتوقعوا كل ما حدث.”
هذا النص لا يقتصر على سرد حادثة مؤلمة؛ بل يمثل درسًا في التسامح والعفو، إذ تظهر الكاتبة قدرة نادرة على الموازنة بين الحق في العدالة والرحمة الإنسانية. فهي تعترف بخطورة ما حدث وبالتهمة الجسيمة المتمثلة في محاولة القتل، لكنها تؤكد أن العقوبة يجب أن تكون وسيلة للتعلم والتصحيح لا للتدمير، خصوصًا إذا كان المعتدون شبابا لم يتجاوزوا سن أولادها.
من زاوية تحليلية، ما يميز موقف بورتولوتي هو وعيها بـالأبعاد النفسية والاجتماعية للعنف. فهي لا ترى المعتدين كأعداء فقط، بل كأفراد قد يكونون تصرفوا بدافع اللحظة، دون إدراك حجم الضرر الذي يمكن أن يلحقوه. هذا الوعي يجعل موقفها أخلاقيا وفلسفيا في الوقت نفسه، إذ يعكس تقديرها لقيمة الحياة والفرص الثانية، ويعطي مثالًا على كيفية مواجهة العنف بالنضج والهدوء النفسي.
كما يمكن النظر إلى هذه الواقعة في سياق أوسع يتعلق بالعدالة والمجتمع، فالعقوبة ليست فقط رد فعل على الجريمة، بل فرصة لإعادة تأهيل الفرد وتحذيره من عواقب أفعاله دون محو مستقبله. هذا الرأي يعكس رؤية إنسانية وثقافية، تعطي الأولوية للتعليم والتوعية بدل الانتقام فقط، وتؤكد أن المجتمع يكون أكثر قوة عندما يوازن بين حماية أفراده والحفاظ على إمكانيات الإصلاح لدى المخطئين.
نص بورتولوتي يفتح أيضا الباب للتأمل في ردود أفعال الضحايا في مواجهة العنف. كثير من الناس قد يختارون الانتقام أو الاحتفاظ بالغضب، بينما تختار الكاتبة طريقا أرقى، طريق التفهم والوعي بالضرر المحتمل دون السماح للغضب بالتحكم. هذه القدرة على تحويل تجربة مؤلمة إلى درس إنساني هي ما يجعل نصها أكثر من مجرد شهادة على حادثة؛ إنه نموذج في التسامح والتفكير العميق.
في النهاية، تجربة بورتولوتي ليست مجرد حادثة فردية، بل درس إنساني شامل عن كيفية مواجهة الألم والعنف بالوعي والتعاطف. فهي تذكرنا بأن القوة الحقيقية لا تكمن في الانتقام، بل في القدرة على التفكر في العواقب، وفهم الآخرين حتى في أخطائهم، والسعي إلى تصحيح الخطأ بطريقة تحفظ كرامة الجميع.
إن نصها يدعونا جميعا إلى إعادة النظر في مفهوم العدالة والرحمة، والتساؤل، هل يمكن أن تكون العقوبة أداة للتعلم والنمو، لا مجرد رد فعل على الخطأ؟ في عالم يموج بالعنف والانقسامات، تظل كلمات بورتولوتي نموذجا للوعي والإنسانية، وتذكيرًا بأن الرحمة والعدل يمكن أن يسيرا جنبًا إلى جنب.
