- عماد العتابي
داخل جدران مؤسسات الدولة الممولة من جيوب دافعي الضرائب التي يفترض أن تحمي المواطنين، تُسلب الأرواح بلا مبرر، وتُدفن الحقيقة تحت بيانات مختصرة وتحقيقات صورية وصمت مطبق من المسؤولين.
الشاب الشهيد “عمر حلفي” لم يمت بسبب سقوط عرضي أو حادث عابر كما ادعت النيابة العامة.. لقد مات داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، المكان نفسه الذي يفترض أن يحميه، ويفترض أن يكون أمانا لكل مواطن يُستدعى لأسباب قانونية.
قضية وفاة الشاب عمر حلفي داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء ليست حادثة فردية ومعزولة. هي جزء من سجل طويل من الوفيات داخل مراكز الاحتجاز وأماكن الحراسة النظرية في المغرب، يثير شكوكا عميقة حول ما إذا كانت هذه المؤسسات تحمي حياة المواطن المغرب أم تنهيها.
ما حدث إلى حد اللحظة يطرح سؤالا بسيطا لكنه شديد الخطورة؛ كيف يموت شخص حي داخل أقوى مؤسسة أمنية في المغرب، ثم تُغلق القضية بسرعة بتفسير مختزل وغير مقنع؟
وهذا السؤال لا يحتاج إلى تبريرات معقدة، بل إلى تحقيق مستقل وشفاف يمكن أن يجيب عنه بالأدلة، لا بالتصريحات البهلوانية الرسمية المعزولة.
ولننظر إلى ما حصل من قبل في قضية ياسين الشبلي، الشاب الذي توفي أثناء الحراسة النظرية في مخفر الشرطة بمدينة ابن جرير، وسط أدلة قوية على تعرضه لتعذيب شديد داخل المخفر قبل أن يُعلن عن وفاته. ووفق تقارير حقوقية وشهادات عائلته، فإن ياسين تعرض للضرب والاعتداء داخل الحجز، وكان هناك علامات واضحة على العنف الجسدي على جسده، لكن التحقيقات الرسمية تم التعامل معها بطريقة معيبة لم ترقَ إلى مستوى العدالة أو الشفافية المطلوبة.
ليس هذا كل شيء، فمنظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أكدت أن التحقيق في وفاة ياسين لم يلبِ المعايير الدولية، وأن الأدلة المتوفرة تشير إلى إساءة معاملة وتعذيب واحتجاز غير إنساني. ورغم أن أربعة شرطيين تمت متابعتهم، لم يتم تصنيف ما تعرض له ياسين على أنه “تعذيب” رسميا في البداية، ما أدّى إلى محاكمات غير كافية وصورية.
وفي نهاية المطاف، كان هناك أحكام بعقوبات ضعيفة مقارنة بشدة الاعتداءات التي تعرض لها الشاب، وأثار المحامون والدفاع عن الضحية أن ما شاهده من تسجيلات كاميرا داخل المخفر كان يصعب تصوره، وأنها تكشف عن سلوك عدواني وحشي وانتقامي من بعض “رجال الأمن”.
والآن نفس الظروف تقريبا تتكرر مع وفاة عمر حلفي. لأن الرواية الرسمية المختصرة وعدم نشر المعطيات التقنية، والغياب شبه التام لأي دليل يمكن للمواطن أن يراه ويقيّم، كلها عوامل تُعيد إلى الأذهان نفس مشهد الصمت والتبرير الذي رافق وفاة ياسين الشبلي قبل سنوات، وقبله في سنة 2011، استشهاد خمسة شبان من مدينة الحسيمة على يد رجال أمن حقودين وعنصريين.
حين تُزهق روح في مكان يفترض أن يحمي الأرواح، يصبح غياب الحقيقة تواطؤًا صريحا، وحماية للمجرمين داخل الأجهزة نفسها. اليوم، الشعب المغربي يطالب بالحقيقة الكاملة، ونشر الأدلة الواقعية، وتمكين تحقيقات مستقلة، ومساءلة كل من تورط في التعذيب أو التستر عليه
إذا لم يتم ذلك، فإن موت عمر حلفي، مثل موت ياسين الشبلي، سيبقى وصمة في جسد الدولة وذكرى صادمة تُعيد طرح نفس السؤال على الجميع؛
هل نثق في مؤسسات تحمي القانون أم في مؤسسات تُجهض الحقائق وتدفن الأرواح؟
