ترجمة الدكتور: منادي إدريسي عبد الباسط، أكاديمي مغربي.
حين شرع الأوروبيون في استعمار شمال إفريقيا، أسقطوا هواجسهم العِرقية على شعوب المنطقة المتنوّعة وعلى ماضيها العميق.
الكاتب: رمزي الرويجي، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة جنوب كاليفورنيا. مقيم في لوس أنجيليس. ومؤلف كتاب اختلاق البربر: التاريخ والإيديولوجيا في المغرب الكبير. Inventing the Berbers: History and Ideology in the Maghrib (2019)
بعد ثلاثة قرون من وصول كريستوفر كولومبوس إلى الأميركيتين، كان الأوروبيون قد أبحروا إلى أقصى بقاع الأرض، يتاجرون في أسواق تمتد من الأميركيتين إلى إفريقيا وآسيا. وكان شمال إفريقيا، الواقع مباشرة على الضفة المقابلة من المتوسط، أرضًا معروفة لديهم. فلم يقتصر الأمر على خوض الأوروبيين حروبًا عديدة مع سكان شمال إفريقيا على مدى قرون، بل إنهم أنشأوا مصانع وكنائس، بل وحتى مقابر، في معظم الموانئ الكبرى. ومع ذلك، ظلّ وعيهم بهوية سكان شمال إفريقيا غامضًا على نحوٍ لافت، كما ظلّت العلاقة ملتبسة بين الأسماء التي أطلقوها عليهم وتلك التي كان الناس يعرّفون بها أنفسهم. وبعد قرون من إطلاق اسم «المور» على جميع سكان شمال إفريقيا، لم يشعر الأوروبيون بحاجة إلى تغيير هذه الممارسة، حتى بعدما تبيّن لهم أن من كانوا يسمّونهم «مورًا» لا يرون أنفسهم جماعةً واحدة.
كان اسم «المور» التسمية التي استخدمها الأوروبيون منذ العصور الرومانية لوصف طيف واسع من الجماعات في شمال إفريقيا. وبالنسبة لأولئك الذين وجدوا في التسميات القديمة سلطةً إقناعية خاصة، كانت لهذه التسمية ميزة القِدم. صحيح أنها لم تكن الاسم الذي يطلقه سكان شمال إفريقيا على أنفسهم، لكنها كانت تتجاوز سؤالًا أكثر تعقيدًا يتعلّق بتعريف السكان لذواتهم، وبحقيقة أن ما عُرف عن «المور» القدماء إنما وصل عبر مصادر رومانية، أي عبر أعين سادتهم. وعندما فتح العرب المسلمون شمال إفريقيا في القرن السابع الميلادي، استخدموا مصطلح «البربر» لوصف الشعوب التي كان الرومان يسمّونها «مورًا»، وكذلك تلك التي وصفوها بالبرابرة أو بغير ذلك من الأسماء.
وبعد أكثر من ألف عام، وبحلول القرن الثامن عشر، لم يعد سكان شمال إفريقيا يرون أنفسهم «مورًا»، بل عربًا أو بربرًا. وبالنسبة إليهم، فإن البلاد التي كان الأوروبيون يسمّونها «البرابرة» (Barbary) كانت جزءًا من المغرب، أي الغرب الإسلامي. وحتى العثمانيون، الذين حكموا «إيالات البرابرة» في الجزائر وتونس وطرابلس، كانوا يسمّون هذا المجال «المغرب.»
غير أن الأوروبيين، على نحوٍ مربك، تمسّكوا باسم «المور» للدلالة على السكان، في حين أطلقوا على الأرض اسم «البرابرة»، وهو اسم لم يتخيّلوا أن له أي صلة بالبربر. وخلال بضعة عقود من القرن التاسع عشر، شرع الفرنسيون في محاولة ترتيب هذا الارتباك الاسمي، وصياغة طريقة جديدة لتمثيل السكان المحليين، تُكيَّف فيها التسميات الأصلية لخدمة مشروع الاستعمار الفرنسي في الجزائر. وفي خضمّ هذه السيرورة، تراجع اسم «البرابرة» لصالح «شمال إفريقيا» (Afrique du Nord)، وتحول العرب إلى «ساميين شرقيين»، وأُعيد تعريف البربر بوصفهم «عرقًا أبيض»—أو على الأقل «غير أسود»—وبوصفهم السكان الأصليين الحقيقيين لشمال إفريقيا.
واليوم، أصبح الاسم المقبول لجميع البربر الممتدّين من شرق مصر إلى المحيط الأطلسي هو «إيمازيغن» (المفرد: أمازيغ)، وهو في الأصل اسم قبيلة في وسط المغرب. وعلى خلاف لفظ «بربر»، الذي يستدعي معنى «الهمجية»، يُقدَّم هذا الاسم عادةً بتفسير شاعري—وإن كان غير دقيق تاريخيًا—يرى فيه ترجمة لعبارة «الرجال الأحرار.«
وصل وليام شيلر، القنصل العام للولايات المتحدة في الجزائر، إلى المدينة سنة 1815 لتمثيل بلاده في مفاوضات السلام التي أعقبت حروب البرابرة. وخلال إقامته التي دامت عشر سنوات في الجزائر، خالط تجّارًا ودبلوماسيين أجانب—غالبيتهم من الفرنسيين والإيطاليين—وشارك في حفلات «متمدّنة» كان الجميع فيها يتحدث الفرنسية ويشرب الخمر الفرنسي. ومن هؤلاء، ومن بعض كتب الرحلات، جمع شذرات من المعلومات عن السكان المحليين، شكّلت الأساس لكتابه رسومات عن الجزائر (1826)، وهو عمل يمثّل إلى حدّ بعيد مستوى المعرفة الأوروبية بما كان يُسمّى «ساحل البرابرة.»
يوفّر كتاب شيلر معلومات موثوقة نسبيًا عن الوضعين التجاري والعسكري في الجزائر، لكنه في الوقت نفسه مليء بالأخطاء وأنصاف الحقائق وسوء الفهم بشأن البلاد وسكانها. فمثل كثير من الأجانب في الجزائر، لم يكن شيلر قادرًا على التحدث أو فهم التركية التي كان يستعملها مسؤولو الحكم، ولا العربية «المورية» التي كانت لغة أغلبية السكان، ولا العبرية التي كان اليهود يستخدمونها في معابدهم. وكان جهله بلهجات البربر أشدّ، إذ عمّم اسم إحداها (الشاوية) على جميع اللهجات الأخرى. ومع ذلك، حاول شيلر أن يقدّم تفسيرًا للبربر، فكتب:
البربر، أو البريبر، الذي يُشتقّ منه على الأرجح الاسم المتداول اليوم “البرابرة” الذي تُعرف به هذه الجهة من إفريقيا، وهو على الأرجح تحريف لكلمة “بربرية”، المستعملة إلى اليوم في اللغة الإسبانية للدلالة على هذه البلاد. غير أن هذه التسميات لم تعد سوى ألفاظ كلاسيكية، إذ إن هؤلاء الناس لا يشعرون بأنهم بربر ولا بريبر«.
وكان مؤلفون قادرون على قراءة العربية—مثل ليون الإفريقي ولويس ديل مارمول كربخال—قد أشاروا إلى وجود البربر، غير أن الأوروبيين وجدوا صعوبة كبيرة في فهم علاقتهم بـ«المور». وبحلول القرن التاسع عشر، أصبح لفظ «المور» تسميةً جامعة فضفاضة تضمّ، كما يقول شيلر، «أفارقة، وبربر، وعربًا، ومهاجرين من إسبانيا، وأتراكًا، وغيرهم.
وعلى الرغم من كل هذا الاضطراب الدلالي، وكمٍّ غير قليل من الالتباس، كان الأوروبيون على يقينٍ من أمرٍ واحد: أن «المور» ليسوا بربرًا. وقد عبّر شيلر عن الحكمة السائدة آنذاك حين كتب: «البربر… عِرقٌ أبيض من البشر، يسكنون سلسلة جبال الأطلس ويمتدّون إلى تخوم صحراء سَهَرا». وقد يكون البربر، في نظره، خاضعين سياسيًا لسلطة «المور»، غير أنّ «الحكومات المورية» لم تنجح قطّ في إخضاعهم إخضاعًا كاملًا، لأن البربر، سياسيًا، «يعيشون—على غرار هنود ما وراء المسيسيبي—في حالة من الاستقلال المتوحّش». وبما أنّ الجمهور المقصود لكتابات شيلر كان أمريكيًا، فقد اتّخذت مقارناته أحيانًا طابعًا أمريكيًا واضحًا. إذ صوّر الأمازيغ والقبائل والطوارق والسيوا—الذين اعتبرهم الأمم الأربع المفترضة للبربر—بوصفهم جميعًا بيضًا، وكذلك الشأن عنده بالنسبة إلى «المور»، بل وحتى العرب الآسيويين. ولم يوضّح شيلر المعايير التي اعتمدها للحكم على «بياضهم»، لكنه قصد بذلك، في الجوهر، أنّ البربر ليسوا «زنوجا.>>
وفي كتابته عن الجزائر سنة 1837، بعد سبع سنوات من بدء الاحتلال الفرنسي، عبّر ألكسيس دو توكفيل عن الرأي السائد لدى النخبة الباريسية حين قال: «لم تكن لدينا أي فكرة واضحة عن الأعراق المختلفة التي تسكنها، ولا عن عاداتها، ولا عن كلمة واحدة من اللغات التي تتحدث بها هذه الشعوب». ومع ذلك، أضاف: «إن جهلنا شبه التام لم يمنعنا من الانتصار، لأن النصر في المعركة من نصيب الأقوى والأشجع، لا الأعلم». وبعد الاستيلاء على الجزائر، استخدم الجنرالات الفرنسيون عنفًا استثنائيًا لإخضاع السكان الأصليين. فقد هلك الآلاف في عمليات «الخنق بالدخان» حين كانت القوات الفرنسية تسوق المدنيين إلى الكهوف ثم تشعل النيران لاختناقهم. وبعد إعدام قادة المقاومة الجزائرية، جمع الجنود الفرنسيون جماجمهم المقطوعة وأرسلوها إلى فرنسا بوصفها غنائم وعينات للدراسة العلمية. ولا يزال بعضها محفوظًا إلى اليوم في متحف الإنسان بباريس.
استسلم السكان الجزائريون للفرنسيين على أساس شروطٍ تضمن لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية، والفصل في نزاعاتهم الداخلية. وبما أنّ الحكم العثماني كان قد ارتكز على حماية المسلمين في شمال إفريقيا من المسيحيين الإسبان، فقد بدا الاحتفاظ بالوضع الديني الإسلامي أمرًا جوهريًا بالنسبة إليهم. غير أنّ مقاومة الحكم الاستعماري لم تعبّئ أشكال التضامن الدينية وحدها، بل استندت أيضًا إلى صيغ التعاضد القبلية. وكان على الفرنسيين أن يجدوا سبلًا لتفكيك الاثنين معًا. ففي سنة 1844، أنشأوا «المكاتب العربية»، التي مثّلت الواجهة العلنية لـ«تهدئة» السكان بالقوة العسكرية. ومن خلال الجمع بين العنف الصريح، وتهجير آلاف الأشخاص، وإدارة سبل عيشهم، أخضعت هذه المكاتب الجزائريين لـ«نظام دائم من العنف المموَّه والمباشر في آن»، وهو نظام استمر قرابة قرن كامل، كما يبيّن جيمس ماكدوغال في كتابه تاريخ الجزائر (2017).
وفي سعيهم إلى إدارة المستعمرة الجديدة، جمع المستشرقون الفرنسيون والإثنوغرافيون وضباط الاستخبارات كمًّا هائلًا من المعلومات عن البلاد. غير أنّ هذه المعطيات ظلّت مشتّتة وغير ممنهجة. ولم يتوصّل الفرنسيون إلى ربط هذه الشذرات في رؤية تركيبية شاملة—وجديدة كليًا—عن الجزائريين وسكان شمال إفريقيا، إلا سنة 1856، حين نشر مستشرق مولود في إيرلندا ترجمته لكتاب تاريخي عربي من القرن الرابع عشر.
وُلد عبد الرحمن بن خلدون (1332–1406) في تونس، في أسرة من نخب المهاجرين من الأندلس الإسلامية. وقد أعدّه تعليمه ونشأته لخدمة الحكّام، وهو ما فعله طوال حياته. وفي سنة 1377، ألّف مقدّمة ما أصبح لاحقًا تاريخًا ضخمًا للمغرب الكبير، أطلق عليه اسم كتاب العِبَر. يركّز تاريخ ابن خلدون على العرب والبربر الذين أسّسوا الدول، وكذلك على الأتراك والفرس والرومان الذين عاصروهم. وقد رأى أنّ التاريخ—الذي فهمه بوصفه تعاقب قيام الدول وسقوطها—ينتقل من العمران البدوي إلى العمران الحضري ثم يعود. واعتقد أنّ العصبية القبلية هي المحرّك الرئيس للتاريخ، وإن أقرّ بأن الدين يمكن أن يعزّزها. ومع أنّ الحضارة الحضرية أكثر تعقيدًا، فإن البدو، في نظره، كانوا يعيشون حياة أبسط، ويملكون خصالًا يفتقدها أهل الحضر، مثل الكرم والشجاعة والشرف.
نظّم ابن خلدون تاريخه في تعاقب أجيال أو طبقات من العرب والبربر وغيرهم. وحين كان يفتقر إلى المعلومات التاريخية عن الدولة الحاكمة في فترة معيّنة—ولا سيما في الأزمنة البعيدة غير المدوّنة—كان يملأ الفراغ بالحكايات الأسطورية والأنساب القبلية. وهكذا غدا تاريخ المغرب عنده متطابقًا مع سجلات القبائل العربية والبربرية التي أسّست دولًا قويّة فيه. وكما أنّ تاريخ العرب، في تصوّره، يبدأ في الجزيرة العربية ويمتدّ إلى زمن أسطوري نسبي، فإن تاريخ البربر يبدأ، بحق، في المغرب. وقد كان ابن خلدون يرى العالم مأهولًا من نسل نوح، ويبدو أنّ البربر، في نظره، استوطنوا المغرب منذ زمنٍ سحيق، حتى غدا وطنهم منذ الأزل.
في سنة 1844، شرع وليم ماك غَكِن دي سلان (1801–1878)، المولود في بلفاست والمتعلّم في باريس، في تحرير وترجمة أعمال ابن خلدون، وهو مؤلف كان المستشرقون الفرنسيون قد «اكتشفوه» حديثًا. بدأ دي سلان بتحقيق الرحلة، السيرة الذاتية لابن خلدون، ثم أصبح بعد عامين المترجم الرئيس لجيش إفريقيا الفرنسي في الجزائر، واشتغل على تحرير وترجمة مقاطع تاريخية من كتاب العِبَر تتعلّق بالمغرب الكبير. ونُشرت ترجمته في أربعة مجلدات تحت عنوان تاريخ البربر والدول الإسلامية في شمال إفريقيا (1852–1856)، وسرعان ما أصبح هو «ابن خلدون» الذي يعرفه الجميع. وحتى من كان قادرًا على قراءة الأصل العربي، صار يقرأه من خلال ترجمة دي سلان، وتكاثرت الإحالات إلى تاريخ البربر في غضون أشهر قليلة.
ولم تكن ترجمة دي سلان مجرّد نصّ جديد على صلة بالأصل، كما هو حال الترجمات عادة، بل كانت نصًا مُثقَلًا بمفاهيم حديثة—كالعرق، والأمّة، والقبيلة—وهي مفاهيم كانت غريبة عن ابن خلدون. فقد شوّه دي سلان مصطلحات أساسية؛ إذ استخدم ابن خلدون مفهوم «الجيل» الغنيّ والدقيق للدلالة على جماعة قرابية بارزة في زمن معيّن، لكن دي سلان ترجمه أحيانًا إلى «عرق». وبما أنّ الجماعات القرابية عند ابن خلدون مرتبطة بأنماط العمران والتنظيم الاجتماعي، انتهى الأمر بدي سلان إلى الحديث عن «أعراق بدوية» و«أعراق حضرية». كما ترجم مصطلح «الأمّة»—الذي يصف جماعات كالعرب والبربر، وكذلك الفروع المنضوية تحتها—بلفظ «عرق». وهكذا صار البربر «عرقًا»، وكذلك كتامة وصنهاجة، وصارت قبائل بني هلال وبني سليم تنتمي إلى «العرق الرابع» من العرب.
لقد كان العِرق حاضرًا بقوة في ذهن دي سلان، إلى حدّ أنه كان يُدرج الكلمة أحيانًا حيث لا مقابل لها في العربية أصلًا. فتحوّل «ملوك زناتة» عند ابن خلدون إلى «ملوك العرق الزناتي»، وفصل نهر السنغال، في موضع آخر، بين «العرق البربري» و«العرق الأسود». وقد بلغ سوء التمثيل حدًّا جعل أفكار ابن خلدون الأصلية عصيّة على الاستعادة في ترجمة دي سلان، إذ حوّل ما كان عند ابن خلدون سدًّا معرفيًا تُملؤه الأنساب، إلى تصنيفات عرقية صلبة.
وفي سنة 1839، شرعت الحكومة الفرنسية في استعمال اسم «الجزائر» للدلالة على جميع «دول البرابرة» السابقة الخاضعة لسيطرتها. وفي سنة 1848، وبعد القضاء على انتفاضة عبد القادر (1808–1883)، ضمّت الجزائر رسميًا، وأنشأت ثلاث ولايات فرنسية: وهران في الغرب، والجزائر في الوسط، وقسنطينة في الشرق. واستمرّ التوسّع الاستعماري، ولم يكتمل إخضاع الصحراء إلا سنة 1905. وبالتوازي مع السيطرة العسكرية، أشرف الجنرالات على نقلٍ هائل للملكية، شمل العقارات الحضرية والأراضي الزراعية والموارد الطبيعية، وأعاد توزيع منظومة الثروة برمّتها، واضعًا أسس مجتمع استعماري جديد.
ساعد الاستخدام السخيّ لمفهوم العِرق في ترجمة دي سلان الجنرالاتَ والإثنوغرافيينَ والأطباءَ على تجنّب التفكير في تعقيدات الجزائر وتاريخها. ومقابل هذه «الخدمة»، جعلوه المصدرَ الأوثق عن السكان الأصليين؛ فغدا ابن خلدون—في ترجمته المحرّفة—المرجع الأعلى للخبراء. وفي سنة 1870، عاد منظّرو النظام الاستعماري الجديد إلى «كنيسة ابن خلدون» و«حقائقها القديمة» عن الأهالي، كما سمّتهم القوانين الاستعمارية الجديدة.
كان الاستعمار الفرنسي في الجزائر يسعى إلى تفادي أخطاء التجربة الأميركية التي كلّفت فرنسا خسائر فادحة. وكان يطمح إلى رؤية أوضح وتنظيمٍ أدقّ. وبعد جدلٍ حادّ حول النهج الأنسب، انتصر نموذج الاستيطان الاستعماري. ففي سنة 1870، سنّ وزير العدل إسحاق ـ جاك أدولف كريميّو مرسومًا أسّس البنية القانونية للنظام الاستعماري. وبصفته رئيس «التحالف الإسرائيلي العالمي»، أقنع كريميّو النخبة السياسية الفرنسية بمنح الجنسية الفرنسية لنحو 35 ألف يهودي جزائري. أمّا المسلمون، فقد اشترط عليهم مرسوم كريميّو التقدّم بطلب فردي للجنسية والتخلّي رسميًا عن الإسلام وشريعته. وهكذا غدا المسلمون «أهالي» من الدرجة الثانية، رعايا بلا حقوق سياسية كاملة.
ومع التصنيع التدريجي، تحوّل كثير من المزارعين الأوروبيين الفقراء إلى طبقة عاملة حضرية بأجورٍ أفضل من جماهير المسلمين. وحين أصبحت فاقة السكان الأصليين حقيقة اجتماعية صارخة، جرى توظيفها دليلًا على مسؤوليتهم المزعومة عن أوضاعهم. ومرة أخرى، لجأ الفرنسيون إلى ترجمة دي سلان لابن خلدون بوصفها سلطة معرفية: فالعرب—أي بدو العصور الوسطى—لا يعرفون إلا تدمير الحضارة؛ والعرب عِرق، والبربر عِرق آخر؛ وإسلام البربر سطحي؛ وتحت الإسلام، اضطهد العربُ البربر؛ وكان البربر في الأصل بيضًا، بينما لم يكن العرب «الساميون» كذلك.
واستخدم المبشّرون الفرنسيون ابن خلدون لتذكير البربر بمسيحيتهم المزعومة قبل الإسلام، إذ إن القديس أوغسطين كان بربريًا. وأتاح تركيز ابن خلدون على العمران للمثقفين الاستعماريين تصوير مهمة الدولة الاستعمارية بوصفها مساعدة السكان الأصليين على التخلّص من الصفات—أي الإسلام—التي أخّرت «تحرّرهم»، رغم أنّ تعليم الأهالي لم يصبح قطّ أولويةً مالية. وفي التصوّر الاستعماري، كان فقر البربر المجرّدين من الأرض نتيجة تمسّكهم «العنيد» بإسلام العرب الذين اضطهدوهم قبل أكثر من ألف عام.
ولم يحتكر الفرنسيون إساءة ترجمة ابن خلدون لخدمة ذواتهم. ففي سنة 1958، ظهرت ترجمة إنجليزية لـالمقدّمة أنجزها فرانتس روزنتال، أستاذ العربية في جامعة ييل. وقد واصلت هذه الترجمة نهج دي سلان، مقدّمةً إلى القارئ الأنغلوساكسوني ابن خلدون يتحدّث عن العِرق بطرق لم تخطر بباله قط، وشمال إفريقيا تعجّ بأعراق عربية وبربرية وسوداء. وبما أنّ إتقان العربية لم يكن يومًا شرطًا لازمًا—على نحوٍ مدهش—لمن يدّعون الخبرة بشمال إفريقيا في الغرب، فقد شكّلت ترجمات دي سلان وروزنتال تصوّرات أجيال من الدبلوماسيين وصنّاع السياسات والصحافيين، بل وحتى الأكاديميين، في فرنسا والولايات المتحدة.
مترجم عن مجلة َAEON الإلكترونية.
رابط المقال الأصلي. https://aeon.co/essays/how-the-west-made-arabs-and-berbers-into-races
