تحل اليوم، 18 شتنبر 2025، الذكرى الـ104 لولادة جمهورية الريف بقيادة المقاوم محمد بن عبد الكريم الخطابي. هذه التجربة التي لم تعمّر سوى سنوات قليلة (1921–1926) ما تزال محفورة في الذاكرة الجمعية للريفيين، بل تتجاوزهم لتصبح جزءاً من التاريخ الكوني لحركات التحرر عبر العالم. فالجمهورية لم تكن مجرد كيان سياسي عابر، بل مشروعاً حديثا سابقا لعصره، حمل معه آمال الاستقلال والكرامة، وواجه جيوشا استعمارية من أقوى الجيوش الأوروبية في القرن العشرين.
لقد شكّلت معركة أنوال (21 يوليوز 1921) لحظة ميلاد هذه التجربة. ففي تلك المعركة تمكّن الريفيون، بعتاد محدود وعدد قليل، من إلحاق هزيمة قاسية بجيش الاحتلال الإسباني، وهو ما اعتُبر صدمة مدوية في العواصم الأوروبية. ويرى المؤرخ المغربي جرمان عياش أن “أنوال لم تكن فقط نصراً عسكرياً، بل بداية مشروع سياسي هدفه بناء دولة مستقلة.” ومنذ تلك اللحظة أدرك عبد الكريم الخطابي أن المقاومة لا بد أن تتحول إلى مؤسسات، وأن النصر العسكري لن يستمر من دون إطار سياسي ينظّم المجتمع ويوجه طاقاته.
بدأ الخطابي في تأسيس ما يشبه دولة حديثة، بمجالس وطنية، تنظيم قضائي، إدارة محلية، ونظام جبائي لتمويل المقاومة. ومع حلول سنة 1923 ظهرت ملامح أولية لما سُمي لاحقاً بـ”جمهورية الريف”، التي اكتملت معالمها سنة 1926. هذه الجمهورية كانت تسعى إلى تجاوز الانقسامات القبلية التي طبعَت تاريخ المنطقة، وتوحيد الريفيين تحت راية واحدة، في مشروع يربط بين المقاومة المسلحة وبناء الدولة. وهنا يعلق المفكر المغربي عبد الله العروي: “جمهورية الريف كانت مشروع دولة حديثة سابقا لعصره، ولذلك لم تجد مكانا في سياق استعماري مطبق.”
تميزت التجربة بدلالات عميقة ومتعددة. عسكريا، أصبحت حرب الريف مدرسة قائمة بذاتها في حروب العصابات. القائد الفيتنامي هوشي منه لم يُخف إعجابه قائلا: “من عبد الكريم تعلمنا أن الضعفاء قادرون على إلحاق الهزيمة بالأقوياء.” سياسيا، رفعت الجمهورية شعار تقرير المصير قبل عقود من الاستقلالات الإفريقية. أما اجتماعيا، فقد حاولت بناء مجتمع أكثر عدلا، قائم على تجاوز العصبية القبلية التقليدية، بما يتيح هوية جامعة تحت سلطة سياسية مركزية.
غير أن هذه التجربة، بكل طموحها، اصطدمت بتحالف استعماري ضخم. فقد أدركت إسبانيا وفرنسا أن ترك جمهورية الريف تتقوى سيُشكّل تهديدا مباشرا لمصالحهما في شمال إفريقيا. وبحلول 1926، شنّ البلدان بمساعدة “المخزن المغربي” حملة عسكرية مشتركة استخدمت فيها الطائرات والغازات السامة لإخضاع الريف. ورغم المقاومة الشرسة، اضطر الخطابي إلى الاستسلام، لينفى لاحقا إلى جزيرة لاريونيون ثم إلى القاهرة، حيث واصل نضاله منفىً ورمزاً. ومع سقوط الجمهورية وُلدت أسطورة الخطابي، الذي ألهم قادة التحرر في الجزائر وتونس وفيتنام وكوبا. ويكفي أن المناضل الجزائري فرحات عباس كتب في مذكراته: “الخطابي كان أستاذنا الأول، ومنه استلهمنا أن الاستقلال يُنتزع ولا يُمنح.”
اليوم، بعد مرور 104 أعوام، تظل جمهورية الريف حاضرة في الذاكرة الجماعية باعتبارها رمزا للكرامة والسيادة، ومصدرا لفخر الريفيين والمغاربة عموما. لكن استحضارها يطرح أيضا أسئلة نقدية؛ لماذا لم تحظ هذه التجربة بالاهتمام الكافي في السرديات الوطنية الرسمية؟ وكيف يمكن تحويل إرثها إلى رافعة لتعزيز العدالة الاجتماعية والتنمية في الريف، وإلى عنصر وعي سياسي يساهم في بناء مستقبل أكثر إنصافاً؟
إن جمهورية الريف، رغم نهايتها المبكرة، أكدت أن الشعوب قادرة على صياغة مصيرها حتى في وجه القوى العظمى. لقد نقلت المقاومة من مجرد رد فعل مسلح إلى مشروع دولة، ومن معركة محلية إلى رمز عالمي. إنها رسالة ما تزال صالحة في عالم اليوم: الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.
