لاهاي/ هولندا
لم يمضِ يوم واحد على إعلان تشكيل الحكومة اليمينية الجديدة في هولندا، حتى بدأت ملامح سياساتها تتضح بشكل صادم لشرائح واسعة من المجتمع. فالحكومة، التي تشكلت من أحزاب D66 وVVD وCDA ضمن ائتلاف ذي قاعدة برلمانية هشة، اختارت أن تبدأ ولايتها بحزمة إجراءات قاسية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين مباشرة، تحت عناوين الإصلاح وضبط الميزانية.
ورغم تأكيد الائتلاف أن هدفه «حماية الاستقرار الاقتصادي»، إلا أن الواقع يشير إلى أن المواطن العادي هو من سيدفع الثمن الأكبر، في وقت تعاني فيه الأسر من ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة والإيجارات.
في مقدمة القرارات المثيرة للغضب، أعلنت الحكومة نيتها رفع المبلغ المقتطع من التأمين الصحي (Eigen risico) ليصل إلى 460 يورو سنويًا، في خطوة اعتبرتها المعارضة والنقابات ضربة مباشرة للمرضى وكبار السن وذوي الدخل المحدود.
ويرى منتقدون أن هذا القرار لا يشجع على “الترشيد”، كما تدّعي الحكومة، بل يدفع بعض المواطنين إلى تأجيل العلاج أو الاستغناء عنه، ما يهدد الحق الأساسي في الرعاية الصحية.
ولم تتوقف الإجراءات عند الصحة، إذ يتضمن البرنامج الحكومي تقليصًا واسعًا في الخدمات الاجتماعية، لا سيما في مجالات التوظيف الاجتماعي ودعم الفئات الهشة. كما قررت الحكومة تقليص مدة إعانة البطالة إلى سنة واحدة فقط، ما يضع العاطلين عن العمل تحت ضغط مالي ونفسي متزايد، ويُضعف قدرتهم على إيجاد فرص عمل مستقرة.
وترى المعارضة أن هذه السياسات تعكس منطقًا اقتصاديا باردًا يتجاهل الواقع الاجتماعي، محذّرة من أن تقليص الدعم سيؤدي إلى زيادة الفقر وعدم المساواة، بدل تحفيز سوق العمل كما تدّعي الحكومة.
وفي الجانب المالي، تتجه الحكومة إلى تحميل المواطنين مزيدًا من الأعباء الضريبية، سواء عبر تقليص الإعفاءات الضريبية، أو رفع الضرائب على عدد من السلع والخدمات، إضافة إلى خطط لزيادة ضرائب الوقود في السنوات المقبلة.
كما طرحت الحكومة ما يُعرف بـ «مساهمة الحرية» لتمويل الإنفاق الدفاعي، وهي تسمية اعتبرها منتقدون محاولة لتجميل رفع غير مباشر للضرائب في وقت يعاني فيه المواطن من ضغوط اقتصادية متزايدة.
ورغم كل هذه الزيادات، لا تزال الحكومة عاجزة عن تقديم رؤية مالية واضحة ومقنعة حول كيفية تمويل مشاريعها الكبرى، خاصة في مجالات الدفاع والبنية التحتية، ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الميزانية العامة، ومن سيدفع الفاتورة في نهاية المطاف.
وتؤكد أحزاب المعارضة أن الحديث عن «قرارات صعبة لكنها ضرورية» لم يعد مقنعًا، طالما أن العبء يقع دائمًا على كاهل المواطن، بينما تُستثنى الشركات الكبرى ورؤوس الأموال من إجراءات حقيقية.
يرى مراقبون أن الحكومة الجديدة اختارت أن تبدأ ولايتها بمواجهة مباشرة مع المجتمع، في ظل برلمان منقسم ومعارضة قوية ونقابات غاضبة. ومع تزايد الانتقادات، يُرجّح أن تشهد المرحلة المقبلة توترات سياسية واجتماعية، وربما احتجاجات قوية، إذا استمرت الحكومة في تمرير سياساتها دون مراجعة أو حوار جاد.
وفي ظل هذا المشهد، هل تستطيع الحكومة اليمينية الجديدة تنزيل هذه السياسات دون أن تدفع البلاد إلى أزمة اجتماعية أعمق؟
