عماد العتابي
الحسيمة، مدينة الجمال والبحر والطبيعة والسكينة، تحولت في السنوات الأخيرة إلى مسرح لظاهرة مشوهة لا تخطئها عين، حيث جحافل من المتسولين يجوبون الشوارع والأزقة، رجالا ونساء من مختلف الأعمار، يجرّون خلفهم أطفالا أبرياء حُرموا من اللعب والمدرسة وحق الطفولة، ليُستغلوا ببرودة دم كوسيلة رخيصة لاستدرار العطف والصدقات.
المشاهد صادمة، رضع يُحملون على الأذرع طوال اليوم تحت حرّ الشمس أو برد الليل، أطفال يتجولون بين السيارات يبيعون مناديل ورقية كغطاء للتسول، حكايات ملفقة وأمراض مفبركة، إعاقات تُعرض كسلعة أمام المارة. كل ذلك يجري أمام أنظار الجميع، بلا حسيب ولا رقيب.
أليست هذه جريمة في حق الطفولة؟ أليس من العار أن تصبح شوارع الحسيمة معرضا مفتوحا لبؤس مصطنع، بدل أن تكون فضاء للحياة والسكينة؟ أين الجمعيات التي ترفع شعارات حماية الطفولة؟ أين الدولة التي اختارت لنفسها وصف “اجتماعية”؟
الخطر لا يقف عند حدود تشويه صورة المدينة، بل يتعداه إلى ما هو أعمق، تطبيع الأطفال مع مشاهد البؤس والمرض والتسول، وغرس الإحباط في وجدانهم. أي مستقبل يمكن أن نرجوه لجيل يرى في الشارع مدرسة للتسول بدل أن يكون بابا للأمل؟
ولا يقتصر التسول في الحسيمة على الأطفال والرضع أو الفقراء المستغلين، فهناك نوع آخر من التسول يمارسه من يفترض أن يكونوا حماة القانون والنظام. رجال السلطة، والأمن، والدرك، أحيانا يضطر المواطن إلى دفع أموال أو رشاوى تحت ضغط سلطتهم، وكأن هناك شكلا من التسول المموّه بمظاهر السلطة والوظيفة الرسمية. هذا التسول المموّه يزرع شعورا بالإحباط والخذلان والغضب، ويجعل المواطن يشاهد العدالة تتحول إلى سلعة، تماما كما يتحول بؤس الأطفال في الشارع إلى وسيلة للربح. إن هذا الجانب من الظاهرة يضاعف الألم الاجتماعي وغضب أبناء الريف المهجرين الذين يحجون لوطنهم في الصيف، ويؤكد أن المشكلة ليست محصورة في الشوارع، بل تتعدى إلى صميم العلاقة بين الدولة والمواطن.
ولعل الأكثر إيلاما أن هذه الظاهرة باتت تفسد على أبناء الريف المُهجّرين فرحتهم بالعودة إلى مسقط الرأس لقضاء عطلتهم بين الأهل والبحر والذكريات. إذ يجدون مدينتهم وقد غزتها مشاهد التسول والاستغلال والشطط في استعمال السلطة، فتختلط مشاعر الحنين بخيبة الأمل، ويتحول اللقاء بالوطن إلى مواجهة يومية مع بؤس مصطنع يجرح العين والروح معا.
الحسيمة اليوم تحتاج إلى أكثر من شفقة المارة؛ تحتاج إلى قرار. تدخل حازم يضع حدا للاستغلال البشع للأطفال والرضع والشطط في استعمال السلطة، ويوفر للمعاقين والمحتاجين رعاية تحفظ كرامتهم بعيدا عن الشارع وصناعة مظاهر البؤس. فالصمت أمام هذه الظاهرة هو هروب إلى الأمام وتواطؤ يساهم في تكريسها.
الحسيمة، التي كتبت تاريخها بالمقاومة والشموخ والجمال، لا يجوز أن تُغتال بعيون دامعة وطفولة بريئة مسروقة. فلنصن وجهها البهي، ونحمي أطفالها من أن يتحولوا إلى ضحايا في مسرح لا يليق بتاريخها ولا بروحها المقاومة.
