تقرير/
لم يعد التضييق الذي يطال الطلبة المناضلين في المغرب مقتصرًا على أسوار الجامعة أو على لحظات الاحتجاج والاعتصام، بل اتخذ خلال السنوات الأخيرة شكلًا أكثر خطورة وقسوة، يتمثل في ملاحقة المناضلين حتى بعد تخرجهم، وحرمانهم من حقهم في الشغل، وإقصائهم بشكل صامت من المباريات العمومية، في ما يبدو كعقاب مؤجل على مواقفهم النضالية السابقة.
وبحسب طلبة تحدثوا لـ “صدى الحقيقة”، فإن هذا النهج يعكس توجهًا يرمي إلى كسر الصوت النقدي في الحاضر، ومعاقبته في المستقبل، عبر تجفيف أثره وإغلاق آفاق الاندماج المهني أمام خريجين كان لهم حضور نضالي داخل الجامعة، رغم حصولهم على الشهادات العلمية المطلوبة.
ويُعدّ الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، فضاءً تاريخيًا لتشكيل الوعي الجماعي، ومدرسة للنقاش السياسي والاجتماعي، ومختبرًا لإنتاج الأسئلة المقلقة المرتبطة بالشأن العام. غير أن هذا الدور جعل من الطالب المناضل شخصًا غير مرغوب فيه، ليس فقط أثناء نشاطه داخل الحرم الجامعي، بل حتى بعد مغادرته له حاملا شهادته وتطلعاته المشروعة في حياة كريمة.
وفي هذا السياق، لا تُعدّ الاعتقالات التي تطال الطلبة المنخرطين في نضالات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، سوى الحلقة الأولى في سلسلة طويلة من التضييق، حيث تتحول المتابعة الأمنية والقضائية، وفق مصادر طلابية، إلى وصم غير معلن يلاحق المناضلين في ملفات التوظيف، واجتياز المباريات، وفرص الإدماج المهني.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات متزايدة حول مآل الطلبة الذين ناضلوا من أجل تعليم أفضل، أو فضح الفساد، أو دافعوا عن حقوق ثقافية واجتماعية، ولماذا يُعاملون لاحقًا وكأنهم خطر دائم، حتى وهم يطالبون بحقهم الطبيعي في الشغل.
ويرى فاعلون أن ما يحدث يؤشر على رغبة في إنتاج نموذج إنساني مطيع، منزوع الذاكرة النضالية، بلا رأي مستقل أو قدرة على النقد، مقابل تهميش كل من يزعج المنظومة بأسئلته أو مواقفه. ووفق هذا التصور، لا يُنظر إلى المواطن بوصفه فاعلًا نقديًا، بل كموظف صامت أو رقم إداري.
ويتم هذا الإقصاء، بحسب متتبعين، دون الإعلان عنه في بلاغات رسمية أو تضمينه في قوانين واضحة، بل يُمارس عبر آليات غير مباشرة، من قبيل تعطيل الملفات، والإقصاء غير المبرر من المباريات، وإغلاق الأبواب خلال المقابلات الشفوية أمام من يوصفون بـ«أصحاب السوابق النضالية».
ولا يستهدف هذا النهج الأفراد فقط، بل يضرب في العمق فكرة المشاركة السياسية نفسها، إذ يبعث برسالة واضحة إلى الطلبة والشباب مفادها أن الاحتجاج اليوم قد يكون ثمنه الإقصاء غدًا، وأن الصمت بات شرطًا غير مكتوب للاندماج والنجاح الاجتماعي.
وفي المحصلة، يرى الطلبة أن الدولة التي تخشى الطلبة المناضلين والخريجين الواعين، إنما تخشى النقد أكثر مما تخشى الفساد، وتفضل تحييد الأصوات المزعجة بدل احتضانها كقوة اقتراح وإصلاح. وهو ما يهدد بتحويل الجامعة من فضاء لإنتاج النخب إلى آلية لإعادة إنتاج الطاعة، ويعمق الهوة بين المؤسسات وشبابها.
