تحليل سياسي
منذ اللحظة التي بدأت فيها بعض وسائل الإعلام العبرية تتناول ملف التهجير المحتمل لأهالي غزة، لم يُطرح اسم «أرض الصومال» بوصفه احتمالا عابرا أو اجتهادا صحفيًا، بل كخيار سياسي مشروط بصفقة واضحة المعالم.
ففي مارس 2025، نشرت صحف إسرائيلية، وعلى رأسها «جيروزاليم بوست»، معلومات صريحة تفيد بأن مسؤولين في صوماليلاند أبدوا استعدادا مبدئيًا لاستقبال فلسطينيين مُهجّرين من قطاع غزة، لكن بشرط جوهري وهو حصول كيانهم على اعتراف سياسي رسمي، وعلى رأسه اعتراف من إسرائيل نفسها. هذا الربط بين التوطين والاعتراف لم يكن تفصيلا ثانويا في التغطية العبرية، بل كان جوهر الرواية، وكأنه يُقدّم بوصفه صفقة تبادلية مكتملة الأركان (الأرض مقابل شرعية دولية).
في ذلك التوقيت، سارع مسؤولو صوماليلاند إلى نفي وجود أي مشاورات من هذا النوع، وجرى تصوير الحديث عن استقبال فلسطينيين باعتباره محض تكهنات إعلامية. غير أن المتابع لمسار الأحداث لا يمكنه تجاهل الفجوة بين النفي السياسي والتسريبات الصحفية، خاصة عندما تأتي من إعلام قريب تقليديا من دوائر صنع القرار في تل أبيب. فالإعلام العبري، حين يختار نشر تفاصيل من هذا النوع، نادرا ما يفعل ذلك بمعزل عن رسائل اختبار أو تمهيد للرأي العام، سواء الداخلي أو الخارجي.
اليوم، ومع إعلان حكومة الاحتلال “الإسرائيلية” اتخاذ خطوة رسمية تجاه صوماليلاند والاعتراف بها ككيان سياسي مستقل، تعود تلك التقارير إلى الواجهة بوزن مختلف. ليس لأن الاعتراف بحد ذاته يحسم صحة كل ما نُشر سابقا، بل لأن تحقق أحد أطراف الصفقة المزعومة يمنح الرواية العبرية بأثر رجعي قدرًا من المصداقية السياسية. فلماذا اعترفت إسرائيل بصوماليلاند الآن؟ وهل جاء هذا الاعتراف معزولا عن السياق الأوسع المتعلق بغزة، أم أنه جزء من ترتيب أشمل لم يُعلن عنه بعد؟
اللافت أن الإعلام العبري لم يتعامل مع صوماليلاند كقضية إفريقية بعيدة، بل كقطعة شطرنج في ملفين متداخلين، يمكن اختصارهما في التخلص من العبء الديموغرافي لغزة، وتعزيز الحضور الإسرائيلي في البحر الأحمر وخليج عدن. ومن هذه الزاوية، يبدو الاعتراف خطوة منطقية ضمن تسلسل سياسي المرتبط بتلبية شرط أساسي للطرف المستعد للاستضافة، وفتح الباب أمام تفاهمات لاحقة يمكن تقديمها لاحقا تحت عناوين إنسانية أو أمنية. هكذا، لا يعود التهجير فكرة نظرية، بل احتمالا عمليا يجري تفكيكه إلى مراحل، يبدأ أولها بالاعتراف السياسي، وليس بنقل السكان.
الخطورة في هذا المسار لا تكمن فقط في نتائجه المحتملة، بل في الطريقة التي يُدار بها. فحين يُسرب الإعلام العبري شرط الاعتراف مسبقا، ثم يتحقق هذا الشرط لاحقًا، فإن ذلك يشير إلى نمط معروف في السياسة الإسرائيلية.. الإعلان غير المباشر، ثم الاختبار، ثم التنفيذ التدريجي. وفي هذه الحالة، يصبح نفي مسؤولي صوماليلاند السابق أقرب إلى إدارة للتوقيت لا إلى دحض للفكرة، ويصبح الاعتراف الإسرائيلي إشارة لا يمكن فصلها عن ذلك السياق.
في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن تهجير الغزيين إلى صوماليلاند بات قرارا نهائيا، لكن تجاهل الترابط بين ما نشره الإعلام العبري سابقا وما تحقق سياسيا لاحقا يبدو ضربا من العمى المتعمد. فحين تتطابق الشروط المعلنة مع الخطوات المنفذة، فإننا نكون أمام مشروع يُدار بهدوء، لا أمام صدفة سياسية. وما يجري هنا، إن صحّ اكتماله، لا يمثل مجرد اعتراف بدولة غير معترف بها دوليا، بل حلقة في مسار أخطر ينتهي بتحويل التهجير القسري من جريمة إلى صفقة مربحة.
