إلياس المرابط/
لم تعد الفيضانات في المغرب أحداثًا استثنائية تُصنَّف ضمن خانة الكوارث الطبيعية العارضة، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى مرآة تعكس بوضوح هشاشة النمو الاقتصادي وحدود نموذج التنمية القائم. فبعد مدينة آسفي، التي شكّلت فيضاناتها صدمة وطنية، اجتاحت خلال الأيام القليلة الماضية السيول مدينتي القصر الكبير وشفشاون، حيث غمرت المياه أحياء سكنية وطرقًا رئيسية، وألحقت أضرارًا مباشرة بالبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية المحلية، في مشهد يتكرر كلما ارتفعت وتيرة التساقطات دون أن يتغير جوهر الاستعداد البنيوي للاقتصاد.
هذه الأحداث تأتي في سياق اقتصادي يُظهر، على مستوى المؤشرات الكلية، معدلات نمو إيجابية نسبيًا، إذ سجّل الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الأخيرة نسب نمو تدور حول 3 إلى 4 في المائة. غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، تخفي هشاشة بنيوية واضحة، لأن الاقتصاد المغربي يظل شديد الارتباط بعوامل مناخية غير مستقرة، وعلى رأسها التساقطات المطرية. فالقطاع الفلاحي، الذي يساهم بحوالي 12 إلى 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر ما بين 30 و40 في المائة من فرص العمل، ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة المطرية، ما يجعله عرضة للتقلبات الحادة، سواء في حالات الجفاف أو في حالات الأمطار الغزيرة المفاجئة.
الفيضانات الأخيرة لم تقتصر آثارها على المدن فقط، بل امتدت إلى قلب الإنتاج الفلاحي، خاصة في منطقة الغرب، حيث أدت التساقطات الغزيرة إلى ضياع جزء مهم من محصول البطاطس، أحد المحاصيل الأساسية ذات القيمة الاقتصادية والغذائية العالية. وتُقدَّر الخسائر المحتملة في هذه المناطق بما يتراوح بين 15 و20 في المائة من الإنتاج المتوقع، خصوصًا أن الأمطار جاءت في مرحلة حساسة من دورة المحصول، ما أدى إلى تعفّن جزء من المزروعات وتلفها. هذه الخسائر لا تعني فقط تراجع دخل الفلاحين الصغار والمتوسطين، بل تنعكس أيضًا على توازن السوق المحلية، وعلى سلاسل التوزيع، وقد تؤدي إلى ضغوط على الأسعار في فترات لاحقة.
وتزداد أهمية هذه الخسائر إذا ما وُضعت في سياق دينامية التصدير، إذ كان المغرب قد سجل خلال الموسم الفلاحي 2024–2025 ارتفاعًا ملحوظًا في صادرات البطاطس، بلغت حوالي 42.9 ألف طن، بقيمة تناهز 140 مليون درهم. أي تراجع في الإنتاج المحلي بسبب الفيضانات يهدد هذا المنحى، ويُضعف القدرة التنافسية للمغرب في سوق دولية شديدة الحساسية للتقلبات الكمية والجودة.
على المستوى الماكرو-اقتصادي، تشير تقديرات مؤسسات وطنية ودولية إلى أن الكوارث الطبيعية تكلف الاقتصاد المغربي سنويًا أكثر من 8 مليارات درهم، أي ما يعادل نحو 0.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، تشكل الفيضانات وحدها قرابة نصف هذه الخسائر. هذه الكلفة لا تقتصر على الأضرار المباشرة، بل تشمل أيضًا خسائر غير مباشرة ناتجة عن توقف الأنشطة الاقتصادية، وتعطّل النقل، وارتفاع نفقات الإصلاح وإعادة الإعمار، وهو ما يثقل كاهل المالية العمومية، ويحوّل الموارد من الاستثمار المنتج إلى تدبير الأزمات.
في سوق العمل، تتضاعف آثار هذه الصدمات المناخية، إذ إن أي تراجع في الإنتاج الفلاحي يترجم سريعًا إلى فقدان وظائف موسمية وهو ما ينعكس مباشرة في تراجع مداخيل الأسر القروية التي تعتمد على الفلاحة والعمل الموسمي، ما ينعكس على الاستهلاك الداخلي ويضعف الطلب المحلي. ويزداد هذا الأثر حدة في ظل اقتصاد غير مهيكل يشغل شريحة واسعة من اليد العاملة، ولا يستفيد من آليات حماية اجتماعية أو تأمين فلاحي فعّال ضد المخاطر المناخية.
تُضاف إلى ذلك اختلالات التخطيط العمراني والبنية التحتية، حيث تُظهر فيضانات القصر الكبير وشفشاون استمرار ضعف شبكات تصريف المياه، والبناء في مجالات معرضة للمخاطر، دون دمج فعلي للمعطى المناخي في التخطيط الحضري والاقتصادي. وبدل أن تُعتبر الأمطار موردًا استراتيجيًا لتعزيز الأمن المائي والاقتصادي، تتحول في كثير من الأحيان إلى عامل خسارة، بسبب غياب استثمارات وقائية كافية في السدود التلية، وقنوات التصريف، وأنظمة الإنذار المبكر.
كل هذه المعطيات تضع الاقتصاد المغربي أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاستمرار في نموذج نمو يحقق أرقامًا كلية إيجابية لكنه هش أمام الصدمات، أو الانتقال إلى اقتصاد صمود يدمج المخاطر المناخية ضمن التخطيط المالي والاستثماري، ويعيد توجيه الاستثمار العمومي نحو البنية التحتية الوقائية، والتأمين الزراعي، وتنويع القاعدة الإنتاجية. فالفيضانات الأخيرة لم تُغرق الشوارع والحقول فقط، بل كشفت بوضوح أن الرهان لم يعد في انتظار أمطار أقل، بل في بناء اقتصاد أقل هشاشة.
