- عماد العتابي
في كثير من الأحيان، يعتقد البعض أن بقاء الدولة أو استمرار مشروعها يرتبط ببقاء القادة، وأن فقدان شخصية مؤثرة يعني زعزعة النظام أو تراجع المسيرة. هذه النظرة تقصر الفهم عن حقيقة عمق المنظومات الحقيقية، وتغفل الدروس التاريخية التي أكدت أن الرسالة تبقى حية مهما استشهد الأفراد. التاريخ الثوري الإسلامي يقدم لنا المثال الأكثر وضوحا، فاستشهاد الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه في كربلاء لم يُنهي ثورة الحق، بل أضفى عليها صبغة الخلود، وحوّل الفقدان الفردي إلى منارة قيمية ملهمة للأجيال عبر القرون.
اليوم، يمكن أن نرى انعكاس هذا الدرس في النظام الإيراني المعاصر. إيران ليست مؤسسة تعتمد على اسم أو شخص، بل هي منظومة متكاملة، تتألف من مؤسسات سياسية، عسكرية، واجتماعية، مع عقيدة راسخة في عمق الشعب والدولة. ومن يظن أن استشهاد علي لاريجاني أو أي شخصية بارزة في القيادة الإيرانية سيهز الدولة، يخطئ تقديره تماما. قوة إيران الحقيقية تكمن في عمق مؤسساتها، في صلابة إرادتها، وفي استمرارية مشروعها الوطني، وليس في أي فرد مهما بلغت مكانته.
النظام الإيراني يتبع منطقا واضحًا، لأن المعركة ليست معركة وجوه، بل معركة مشروع. والقادة يعرفون أن أي اغتيال لا يهدد المسيرة نفسها، بل يشكل اختبارا لقدرة النظام على الصمود والتكيف. لذلك نراهم يسيرون بين الجماهير بثقة عالية رغم المخاطر، لأنهم يقيسون المعركة بمشروع أكبر من أي اعتبار شخصي.
وهنا يأتي الدرس العميق من كربلاء، فلو كان مشروع الإمام الحسين قابلا للانكسار بسبب استشهاده ومن معه، لانتهت الثورة في لحظة تاريخية واحدة. لكن الواقع كان مختلفا تماما؛ واستشهاد الأبطال كان نقطة انطلاق لتعزيز الرسالة وتوسيع تأثيرها عبر التاريخ. وإيران اليوم تتبع نفس المنطق والمنهج.
من منظور استراتيجي، قدرة إيران على الصمود أمام الضغوط الإقليمية والدولية، بما فيها هذا العدوان الصهيوأمريكي، لا تُقاس بمستوى الأفراد، بل بمرونة المنظومة واستدامتها. “إسرائيل” وخلفها الولايات المتحدة الأمريكية قد تراهن على اغتيال القادة لشل النظام، لكنها تغفل أن قوة إيران تتجسد في هيكلية مؤسساتها العسكرية والسياسية والدينية، في شبكاتها الاجتماعية، وفي عقيدة شعبها القائم على الاستقلال والسيادة الوطنية.
النظام الإيراني لا يقيس النجاح بعمر الأفراد أو بالمناصب، بل بقدرة المشروع على الاستمرار وتجاوز التحديات. وكل تجربة صعبة تواجهها الدولة، تُظهر للعالم أن هذا الكيان لا يقاس بأسماء، بل بعمق مؤسساته ومرونتها السياسية واستراتيجيتها الوطنية. إيران تعلمت من التاريخ ومن كربلاء، فهي تستمد قوتها من التضحيات ودماء شهدائها، وتحول أي فقدان فردي إلى مصدر تعزيز للمنظومة بأكملها.
هذا الفهم العميق هو ما يجعل إيران مستمرة في مواجهة كل الضغوط الاقتصادية، السياسية، والعسكرية. وكل استشهاد هو اختبار للمرونة وليس هزيمة. ومن هنا، يصبح استشهاد أي قائد ليس نقطة ضعف، بل دليل على صلابة المشروع واستمراريته.
إيران ليست مجرد دولة؛ إنها مشروع حضاري يمتد جذوره إلى عقيدة راسخة ومنظومة متكاملة. وأي تهديد أو استشهاد يُنظر إليه كفرصة لتأكيد صلابة المشروع واستمرارية النهج الذي بدأ مع ثورة الإمام الحسين في كربلاء، واستمر في الثورة الإسلامية الإيرانية. لأن الرسالة أكبر من الأفراد، والمسيرة مستمرة، حتى في أصعب الظروف.
إن استشهاد الأفراد، مهما بلغت مكانتهم، لن يوقف المشروع الإيراني. فكل فقدان فردي يتحول إلى قوة معنوية ودافع أكبر للمواجهة والثبات. وإيران اليوم، كما في التاريخ، تثبت أن الرسالة والمنظومة أكبر من أي شخص، وأقوى من أي مؤامرة، مستمرة في مسيرة الدفاع عن عقيدتها، استقلالها، وسيادتها، بنفس القوة والعزم الذي بدأ منذ كربلاء وحتى يومنا هذا.
