غزة/ فلسطين
أعلنت كتائب الشهيد عز الدين القسام قبل قليل استشهاد أبو عبيدة، الناطق الرسمي باسمها، في لحظة تاريخية تجسد حجم التضحيات التي يقدمها قادة المقاومة يوميًا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. أبو عبيدة، الاسم الحركي لحذيفة الكحلوت، لم يكن مجرد متحدث رسمي، بل كان الصوت الذي أرعب الاحتلال، والرمز الذي جسد ثبات الشعب الفلسطيني في أصعب الظروف، والصوت الذي حمل رسالة المقاومة للعالم بكل صراحة وجرأة.
ولد أبو عبيدة في مخيمات قطاع غزة، حيث عاش منذ صغره تحت وطأة الاحتلال والحصار، وشهد المعاناة اليومية لشعبه، مما شكل وعيه المبكر بقضية فلسطين ودفعه إلى اختيار طريق المقاومة كخيار حياة ومصير لا رجعة فيه. منذ شبابه، التحق بصفوف كتائب القسام، وشارك في التدريبات العسكرية والتخطيط العملياتي، ليثبت نفسه سريعًا كأحد العناصر الفاعلة والقادرة على تحمل المسؤولية في أصعب الظروف.
لعب دورا بارزا خلال حروب غزة، حيث كان جزءًا من الفريق الإعلامي الذي أعلن عن العمليات العسكرية ووجه رسائل المقاومة للعالم، مؤكدًا أن الدفاع عن الشعب الفلسطيني حق مشروع لا يمكن إنكاره. وقد بدأ اسمه يبرز كرمز للثبات والمهنية، فكل كلمة يقولها كانت تصدر صدى واسعًا داخل غزة وخارجها، وترعب الاحتلال.
ومع نهاية انتفاضة الأقصى عام 2005، ارتقى أبو عبيدة إلى منصب الناطق العسكري الرسمي لكتائب القسام، ليصبح الصوت الرسمي للمقاومة. من هذا المنصب، كان يشرف على نقل المعلومات المتعلقة بالعمليات العسكرية، وشرح أهدافها ونتائجها للعالم، مع الحفاظ على سرية العمليات والتكتيكات، ما جعله شخصية محترمة ومرموقة حتى في أوساط خصومه.
خلال طوفان الأقصى، كان أبو عبيدة هو الذي أعلن عن كل عملية كبرى، مبرزًا قدرة المقاومة على الصمود والتحدي، ومؤكدًا للعالم أن غزة ليست مجرد جغرافيا محاصرة، بل قلب ينبض بالإرادة والعزيمة. في كل مواجهة، كان صوته يرفع معنويات المقاومين، ويزرع الرعب في صفوف الاحتلال، ليصبح علامة فارقة في الصراع بين المقاومة والعدو.
استشهاد أبو عبيدة ليس مجرد فقدان شخص، بل هو شهادة على قدرة المقاومة على الاستمرار والتجدد، وعلى أن كل استشهاد يزيدها قوة وعزيمة. فالمقاومة ليست أسماء أو وجوها، بل هي إرادة مستمرة تتجدد في كل فلسطيني وفي كل قلب مقاوم. أبو عبيدة قدم حياته من أجل قضية أكبر من ذاته، قضية الحرية والكرامة التي تتجاوز الأجيال، ورسالة واضحة لكل من يظن أن الاحتلال قادر على إسكات صوت الحق.
الإعلان عن استشهاده وتعيين ناطق رسمي جديد بدله يحمل دلالات استراتيجية، إذ يثبت للعالم أن المقاومة قادرة على إعادة تنظيم صفوفها، وأن القيادة، رغم فقدان أحد أبرز رموزها، ستظل صامدة، وأن إرادة شعب فلسطين أقوى من كل محاولات الاحتلال لكسرها. صوته سيبقى حاضرًا في كل زاوية من غزة، وفي كل قلب فلسطيني صامد، وفي ذاكرة كل الشعوب الحرة والمقاومة، يذكر الجميع بأن المعركة ليست مجرد عمليات عسكرية، بل صراع وجود وكرامة، وأن المقاومة مستمرة ولن تنكسر مهما كبرت التحديات.
أبو عبيدة ترك إرثا خالدا من الصمود والتحدي والتضحيات، اسمه سيظل رمزًا للمقاومة وصوتًا يرنّ في أفق فلسطين، يزرع الرعب في صفوف الاحتلال، ويشعل شعلة الأمل في قلوب الأحرار، مؤكدًا أن صمود المقاومة ليس مجرد موقف سياسي، بل أسلوب حياة وجوهر كفاح مستمر لن ينتهي إلا بانتصار الحق على الباطل
