تحليل/
ما يجري ضد إيران ليس ضغطا دبلوماسيا لدفعها إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات وهي في موقف ضعف، بل مشروع مواجهة مفتوحة بأدوات غير تقليدية، تقوده الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بهدف كسر الدولة الإيرانية من الداخل بعد الفشل المتكرر في ردعها خارجيا. الحديث عن حرب شاملة لم يعد واقعيا، لأن ميزان الكلفة والنتائج لا يسمح بها، لكن البديل المطروح هو أخطر؛ ويهدف إلى تفكيك الداخل، تفجير الأطراف، وتحويل الجغرافيا إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد.
السيناريو العملي يبدأ بسلسلة اغتيالات دقيقة تطال مفاصل أمنية وعلمية وإعلامية، تتزامن مع ضربات محسوبة للبنية التحتية الأمنية والإعلامية، خصوصا في الأقاليم الحدودية الأكثر حساسية مثل بلوشستان وكردستان. هذه المناطق ليست هدفا عارضا، بل تشكل نقاط تماس جغرافي وسياسي يمكن عبرها فتح ثغرات أمنية وربط الداخل الإيراني بالخارج.
الغاية من ذلك دفع الجماعات الانفصالية والارهابية وعملاء الموساد للسيطرة على طرق إمداد ومدن حدودية، وتحويلها إلى مناطق رخوة خارجة عن السيطرة المركزية، تُدار بمنطق “الأمر الواقع”، على غرار نموذج إدلب في سوريا. هذه المناطق ستُستخدم كنقاط عبور لإدخال السلاح، المعدات، والمرتزقة، مع توفير غطاء إعلامي وسياسي كثيف يضفي عليها طابعا “إنسانيا” أو “تحرريا”.
بالتوازي، سيتم إنشاء منظومة إعلامية وخدمية موازية للدولة، تشمل مراكز بث، منصات دعائية، ومنشآت طبية مدعومة إسرائيليا وأمريكيا وغربيا، على شاكلة تجربة الخوذ البيضاء. القنوات الفارسية الممولة من الخارج ستتولى تسويق الفوضى باعتبارها “ثورة”، وتقديم الجماعات المسلحة كقوى محلية، تمهيدا لتدويل الملف وشرعنة التدخل غير المباشر.
لكن هذا المسار يصطدم بجدار صلب، فإيران ليست سوريا، ولن تسمح بانزلاق المواجهة إلى هذا السيناريو دون رد استراتيجي شامل. أي استهداف مباشر لأمنها الداخلي سيُقابل بخلق أوراق ضغط تتجاوز حدودها، ونقل ساحة الاشتباك إلى عمق المصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة.
الرد الإيراني، في حال الوصول إلى هذه المرحلة، لن يكون موضعيا أو رمزيا. واستهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا سيكون خيارا مفتوحا، وكذلك توسيع المواجهة مع الكيان الصهيوني باعتباره الشريك الرئيسي في هذا المشروع. إيران تدرك أن الردع الحقيقي لا يكون بالدفاع داخل الجغرافيا، بل بكسر الإحساس بالأمان لدى الخصم.
إلى جانب ذلك، يبقى مضيق هرمز الورقة الأخطر في المعادلة. لأن أي تعطيل جدي للملاحة أو تهديد إمدادات الطاقة سيحوّل الصراع من أزمة إقليمية إلى صدمة عالمية، ويفرض كلفة اقتصادية لا تستطيع واشنطن ولا حلفاؤها تحملها. هذه ليست ورقة دعائية، بل عنصر أساسي في العقيدة الردعية الإيرانية، يُستخدم عندما يصبح الأمن القومي في دائرة الاستهداف الوجودي.
الوقائع على الأرض تشير إلى أن طهران تدرك هذا السيناريو بدقة. اعتراض شحنات السلاح، تفكيك شبكات تجسس، وتعزيز القبضة الأمنية في المناطق الحدودية ليست إجراءات طارئة، بل خطوات استباقية مبنية على قراءة عميقة لتجربة سوريا وما تلاها. والدولة الإيرانية تتعامل مع المعركة باعتبارها طويلة النفس، لكنها محسوبة السقف.
الخلاصة أن ما يُحضَّر لإيران هو محاولة إنهاك، وفوضى مُدارة من اسرائيل وأمريكا، غير أن هذا المشروع يبقى مقامرة عالية المخاطر، لأن إيران تمتلك القدرة والإرادة على قلب قواعد الاشتباك، وتحويل أي محاولة لتفكيكها من الداخل إلى انفجار إقليمي واسع، يخرج عن السيطرة، ويُعيد رسم خطوط الصراع في المنطقة بأكملها.
