- إلياس المرابط
يحتل الاقتصاد الإيراني موقعًا مهمًا في المشهد الاقتصادي العالمي، نظرًا للتداخل الواضح بين موارده الطبيعية الضخمة والتحولات الجيوسياسية التي تحيط به. فإيران، بما تمتلكه من احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، تُعد أحد الفاعلين المؤثرين في سوق الطاقة العالمية، حتى في ظل القيود السياسية والاقتصادية التي تواجهها. غير أن هذا الاقتصاد يعمل منذ عقود في بيئة دولية معقدة تتسم بتداخل الضغوط السياسية مع الاعتبارات الاقتصادية، وهو ما جعل مساره مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتوازنات الدولية. وفي هذا السياق يبرز سؤال أساسي: إلى أي مدى استطاع الاقتصاد الإيراني الحفاظ على حضوره في أسواق النفط العالمية وإعادة تشكيل علاقاته التجارية الدولية رغم القيود السياسية والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليه؟
يمكن فهم جانب مهم من هذه الديناميات في ضوء طبيعة الاقتصادات المعتمدة على الموارد الطبيعية، حيث تشكل العائدات المتأتية من تصدير النفط والغاز مصدرًا رئيسيًا لتمويل الدولة. وفي هذا السياق تلعب الدولة دورًا مركزيًا في إدارة الموارد الطبيعية وتوجيه عوائدها، وهو نمط اقتصادي يجعل الاقتصاد أكثر ارتباطًا بتقلبات أسواق الطاقة العالمية، لكنه يمنح في الوقت ذاته قدرة على استخدام هذه الموارد كأداة في السياسات الاقتصادية والاستراتيجية.
يتسم الاقتصاد الإيراني بخصائص تجمع بين الاعتماد على قطاع الطاقة ومحاولات تطوير قاعدة إنتاجية أوسع. ويُعد النفط والغاز الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني، حيث تمتلك البلاد أحد أكبر الاحتياطيات الهيدروكربونية في العالم. ويُدار القطاع النفطي بشكل رئيسي من خلال شركة النفط الوطنية الإيرانية، التي تمثل المؤسسة الحكومية المسؤولة عن تطوير الموارد النفطية وإنتاجها وتسويقها. وقد شكّل تصدير النفط تاريخيًا المصدر الرئيسي للعملة الصعبة وتمويل الموازنة العامة، الأمر الذي جعل الاقتصاد الإيراني شديد الارتباط بحركة أسعار النفط في الأسواق الدولية.
ومع ذلك، لا يقتصر الاقتصاد الإيراني على قطاع الطاقة، إذ تمتلك البلاد قاعدة صناعية تشمل الصناعات البتروكيماوية وصناعة السيارات والصلب، إضافة إلى قطاع زراعي مهم نسبيًا. كما تلعب المؤسسات شبه الحكومية دورًا اقتصاديًا بارزًا في تطوير البنية التحتية والقطاعات الاستراتيجية. ومن بين هذه المؤسسات الحرس الثوري الإيراني الذي توسعت أنشطته الاقتصادية خلال العقود الماضية ليصبح أحد الفاعلين الاقتصاديين في مجالات البناء والطاقة والخدمات اللوجستية، وهو ما أسهم في تعزيز قدرة الاقتصاد على الاستمرار في العمل حتى في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
وقد واجه الاقتصاد الإيراني ضغوطًا كبيرة نتيجة سلسلة من العقوبات الدولية التي فُرضت عليه، خصوصًا منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وتفاقمت لاحقًا مع الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. وقد أدت هذه العقوبات إلى فرض قيود واسعة على الصادرات النفطية وعلى تعاملات إيران المالية مع النظام المصرفي الدولي، وهو ما حدّ من قدرة الاقتصاد الإيراني على الاندماج الكامل في الاقتصاد العالمي.
شهدت البلاد فترة انفتاح نسبي بعد توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة بالاتفاق النووي، عام 2015، حيث أدى الاتفاق إلى تخفيف بعض العقوبات وعودة جزئية للنفط الإيراني إلى الأسواق العالمية. غير أن هذا المسار تغير بعد انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية. وقد انعكست هذه التطورات في تراجع صادرات النفط الإيرانية وارتفاع الضغوط على العملة الوطنية، إلا أن الاقتصاد الإيراني أظهر في الوقت نفسه قدرة ملحوظة على التكيف مع هذه الظروف من خلال إعادة تنظيم قنواته التجارية والبحث عن أسواق بديلة.
وعلى الرغم من القيود المفروضة عليه، ما تزال إيران فاعلًا مهمًا في سوق النفط العالمي نظرًا لحجم احتياطاتها وقدرتها الإنتاجية المحتملة. وتُعد إيران عضوًا في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، التي تسعى إلى تنسيق سياسات الإنتاج بين الدول المنتجة بهدف تحقيق قدر من الاستقرار في أسعار النفط. ويتجلى تأثير إيران في السوق العالمية من خلال عاملين رئيسيين: الأول يتمثل في تأثير مستوى صادراتها النفطية على حجم المعروض العالمي، أما العامل الثاني فيرتبط بما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية التي ترتفع عادة مع تصاعد التوترات السياسية في منطقة الخليج.
ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة بسبب الموقع الاستراتيجي لممرات الطاقة في المنطقة، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. ولهذا فإن أي توتر سياسي في هذه المنطقة ينعكس بسرعة على توقعات الأسواق وعلى مستويات أسعار الطاقة.
في مواجهة القيود الاقتصادية الغربية، اتجهت إيران خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة توجيه علاقاتها الاقتصادية نحو شركاء جدد، خصوصًا في آسيا. وتُعد الصين أحد أهم الشركاء التجاريين لإيران، حيث أصبحت من أبرز مستوردي النفط الإيراني، إضافة إلى التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية. كما شهدت العلاقات الاقتصادية مع روسيا تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية المشتركة التي يواجهها البلدان، الأمر الذي فتح المجال لتوسيع التعاون في مجالات النقل والطاقة والتجارة. إلى جانب ذلك، تلعب تركيا دورًا مهمًا في التجارة الإقليمية مع إيران، حيث تمثل قناة اقتصادية تربط الاقتصاد الإيراني بعدد من الأسواق الإقليمية.
وللتكيف مع القيود المفروضة على تجارتها النفطية، طورت إيران آليات متعددة للحفاظ على تدفق صادراتها إلى الأسواق الدولية، بما في ذلك استخدام شبكات تجارية معقدة وشركات وسيطة لتسويق النفط، إضافة إلى تقديم خصومات سعرية لبعض المشترين. وقد ساعدت هذه الآليات، إلى جانب إعادة توجيه الصادرات نحو الأسواق الآسيوية، في الحد من آثار العزلة الاقتصادية والحفاظ على قدر من الاستقرار في قطاع الطاقة.
في المحصلة، يظهر من تحليل الاقتصاد الإيراني أن العلاقة بين الموارد الطب
