- عماد العتابي
في زمن صار فيه الضجيج أعلى من الحقيقة، والتصنيفات أسرع من التفكير، يُطلب منا أن نقف في “المنطقة الرمادية” في موضوع العدوان الصهيوأمريكي، وأن نرفع لافتة الحياد في وجه نار مشتعلة، ثم نصفّق لأنفسنا باعتبارنا عقلانيين ومتوازنين. لكن الحقيقة التي يتهرب منها كثيرون هي أن الحياد حين يكون هناك معتدٍ واضح وضحية واضحة، لا يكون حيادا؛ بل يصبح انحيازا مقنّعا، وموقفا مريحا أخلاقيا لمن لا يريد أن يدفع ثمن الوضوح.
يقال لنا إن الوقوف مع إيران يجعلك شيعيا. وكأن العقول صارت بطاقات هوية مذهبية وسياسية تُختم بختم واحد نهائي. هذا المنطق الاختزالي لا يقتل النقاش فقط، بل يقتل القدرة على التفريق بين الموقف المبدئي والموقف الأيديولوجي. فمن يقف مع قضية عادلة في سياقٍ معيّن لا يوقّع شيكا على بياض لسياسات دولة بأكملها، ومن ينتقد سياسات دولة ما لا يمنح صكّ براءة لخصومها.
ولهذا أقول بوضوح، إن وقوفك مع إيران في لحظة هذا العدوان الصهيوأمريكي لا يجعلك شيعيا كما يحاول البعض اختزال الموقف في قوالب طائفية ضيقة، بل يجعلك رافضا لمنطق إخضاع الدول الحرة والمستقلة بالقوة. أما وقوفك ضد إيران في هذه اللحظة تحديدا، وامتناعك عن تسمية العدوان باسمه، هو ما يصنفك صهيونيا على الفور، مهما حاولت تغليفه بشعارات الحياد.
إن الادعاء بأنك “ضد الجميع” في الوقت نفسه قد يبدو للوهلة الأولى موقفا شجاعا، لكنه في الحقيقة يصبح غطاء لغياب البوصلة. لأنه لا يمكن أن تساوي بين الفعل وردّ الفعل، بين من يملك زمام القوة ويستخدمها، وبين من يردّ على واقع مفروض عليه. المساواة الشكلية بين طرفين في غير موضعها ليست عدلا؛ إنها تسطيح للوقائع، وتبرئة ضمنية لمن يمارس الفعل الأقوى تأثيرا والأشد وطأة.
ثمّة من يفضّل هذا الخطاب المائع لأنه أن يرضي الجميع. فيرفع شعار “نحن ضد إيران وضد إسرائيل” دون أن يكلّف نفسه عناء تفكيك السياق أو تحديد الأولويات. لكن المواقف الأخلاقية لا تُبنى على شعارات متوازنة لغويا، بل على قراءة دقيقة لموازين القوة والواقع. أن تكون ضد مشروع سياسي هنا، وضد عدوان عسكري هناك، لا يعني أن تساوي بين كل الأطراف في كل لحظة وفي كل سياق.
كما أن الاتهام الجاهز لكل صاحب رأي مخالف بأنه “مدفوع” أو “ممّول” هو بدوره هروب من النقاش الجاد. نعم، هناك من يبيع مواقفه لمن يدفع، وهناك من يلوّن خطابه حسب مصالحه. لكن تعميم هذه التهمة على كل مخالف يعفي أصحابها من عناء الرد بالحجة. والأصل أن نناقش الفكرة بالفكرة، لا أن نُسقطها بالظنون.
إن الموقف الصادق لا يبحث عن رضا المحاور ولا عن تصفيق الجمهور. هو موقف يتشكل من قراءة واعية، ومن استعداد لتحمّل تبعات الوضوح. لهذا قد تخسر جمهورا هنا، أو تُتّهم هناك، لكنك تحتفظ بشيء أثمن من كل هذا، وهو انسجامك مع قناعاتك ومعاييرك. أما الوقوف الدائم في “منطقة الظل”، فهو راحة مؤقتة تؤدي لـ “ضياع المعنى”.
لسنا مطالبين بأن نكون أبواقا لأحد، ولا أن ننخرط في اصطفافات عمياء. لكننا أيضا لسنا معفيين من تسمية الأشياء بأسمائها. حين يكون هناك اعتداء، خصوصا عندما يكون هذا الطرف هي “إسرائيل”، فالسكوت هنا ليس حكمة والحياد الشكلي ليس فضيلة.
الموقف الحقيقي هو أن تقول كلمتك بوضوح، وأن ترفض أن تُختزل في تصنيف، وأن تؤمن بأن الحق لا يُقاس بهوية قائله بل بجوهره.
في زمن المواجهة الحقيقية ليست الشجاعة أن ترفع شعار “أنا ضد الجميع” لتنجو من السهام، ولا أن تختبئ خلف توازن لغوي بارد. الشجاعة أن تختار موقعك بوعي، وأن تدافع عنه بحجة، وأن تتحمّل ثمنه إن لزم الأمر. فالتاريخ لا يذكر الواقفين في الظل، بل يذكر أولئك الذين قرروا أن يخرجوا إلى الضوء، حتى وإن كان الضوء حارقا.
