آسفي/ المغرب
أعلنت مصالح الأمن بمدينة آسفي عن توقيف شاب يبلغ من العمر 28 سنة، على خلفية نشره مقطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي شكك فيه في الأرقام الرسمية المعلنة بخصوص ضحايا الفيضانات الأخيرة، معتبرا أن الحصيلة الحقيقية أكبر بكثير مما صرّحت به وزارة الداخلية. ووفق الرواية الرسمية، فإن المعني بالأمر متابع بتهمة نشر أخبار زائفة من شأنها الإخلال بالنظام العام.
غير أن هذا الخبر، في بساطته الظاهرة، يخفي منطقا مقلقا يتجاوز واقعة فردية، ليكشف مرة أخرى طبيعة العلاقة المختلة بين السلطة وحرية التعبير. فأن تتحرك المتابعة القضائية بهذه السرعة ضد شاب عبّر عن تشكيكه، في مقابل غياب أي تواصل رسمي مقنع يوضح الأرقام وسياقها ومنهجية احتسابها، فذلك يعكس اختلالا صارخا في ترتيب الأولويات.
في لحظة يفترض أن تكون فيها الكارثة الطبيعية مدخلا للشفافية والمصارحة، يجري التعامل معها باعتبارها ملفا أمنيا خطيرا، وكأن الرواية الرسمية لا تحتمل النقاش، ولا تقبل إلا التصديق الأعمى.
الأخطر أن تهمة “الأخبار الزائفة” باتت مفهوما مطاطيا، يُستدعى كلما استدعت الضرورة إسكات صوت غير منسجم مع البلاغات الرسمية. فهل أصبح المواطن مطالبًا بالاكتفاء بدور المتلقي الصامت؟ وهل تحوّل النقاش العمومي، خصوصا في أوقات الأزمات، إلى رفاه غير مسموح به؟
إن التعامل الأمني مع التعبير، خاصة في سياق الأزمات والكوارث، لا يزيد إلا في تعميق فقدان الثقة. فالنظام العام لا يُهدَّد بفيديو شاب، بل يُهدَّد حين يشعر الناس أن الحقيقة تُدار بالعصا والاعتقال بدل الحجة.
ما حدث في آسفي لا يحتاج إلى تبريرات قانونية بقدر ما يحتاج إلى طرح سؤال بسيط ومزعج؛ من يملك حق رواية الكارثة؟ هل هو المواطن الذي عاين آثارها، أم المؤسسة التي تحتكر الأرقام؟
وعندما يُتابَع شاب لأن روايته لم تُطابق الرواية الرسمية، فالقضية لم تعد قضية “خبر زائف”، بل قضية حدود الكلام المسموح به.
في هذا السياق، لا يُطلب من الناس سوى شيء واحد هو أن يحزنوا بصمت. أما السؤال، والشك، ومحاولة الفهم، فتصبح أفعالا مشبوهة. وهنا تحديدا، يتحوّل الصمت من خيار فردي إلى سياسة غير معلنة.
