- إلياس المرابط
يقابل أي تصعيد عسكري ضد إيران بقدر من الحماسة لدى بعض الأصوات التي ترى في إضعاف النظام هناك مدخلا لإعادة ترتيب الشرق الأوسط على نحو أكثر استقرارا. غير أن هذا التصور، رغم وضوحه الظاهري، يتجاهل تعقيد البنية الإقليمية وتشابكها العميق أمنيا واقتصاديا. فالمسألة لا تتعلق فقط بنظام سياسي، بل بعقدة جيوسياسية وجيو-اقتصادية تموضعت في قلب التوازنات الإقليمية خلال أربعة عقود.
من منظور استراتيجي بحت، مثّلت إيران فاعلا مركزيا في معادلة الردع وتوازن القوى. حضورها، بما يحمله من تناقضات وتوترات، أسهم في صياغة نمط معيّن من الاستقطاب المتبادل، حال دون انفراد طرف واحد بإدارة المجال الإقليمي دون كلفة. لذلك فإن إزاحتها بالقوة لن تعني مجرد تغيير في رأس السلطة، بل إعادة توزيع هيكلي للقوة داخل الإقليم. السؤال الحاسم ليس: هل يسقط النظام؟ بل: كيف يُعاد تشكيل ميزان القوى بعده، ومن يمتلك القدرة المؤسسية والعسكرية لملء الفراغ؟
غير أن القراءة الجيوسياسية وحدها تبقى ناقصة إن لم تستكمل بتحليل في الاقتصاد السياسي الكلي. فإيران ليست لاعبا سياسيا فحسب، بل عقدة طاقية واستراتيجية في النظام الاقتصادي العالمي. موقعها الجغرافي يطل على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، واحتياطاتها من النفط والغاز تجعلها جزءاً مؤثراً في معادلة العرض العالمي. أي اضطراب واسع النطاق سيُترجم فوراً إلى ارتفاع في علاوة المخاطر الجيوسياسية، وتقلبات في الأسعار، وإعادة توزيع للريع بين المنتجين.
هنا يتغير السؤال: هل يؤدي إضعاف إيران إلى تحرير طاقتها الإنتاجية ضمن ترتيبات جديدة تخضع لشروط سياسية خارجية؟ أم إلى إقصائها بما يعزز حصة فاعلين آخرين؟ في الحالتين، نحن أمام إعادة هندسة لتدفقات الريع الطاقي، لا مجرد تحول سياسي داخلي. التاريخ القريب يظهر أن التحكم في موارد الطاقة ومساراتها ليس شأناً اقتصادياً محضاً، بل أداة نفوذ جيوسياسي بعيدة المدى.
إلى جانب الطاقة، تحتل إيران موقعا محوريا في خرائط الممرات التجارية بين آسيا وأوروبا. أي إعادة تشكيل قسرية لوضعها ستؤثر في تكاليف التأمين البحري، واستراتيجيات تنويع الإمدادات، ومبادرات الربط القاري الكبرى. بمعنى أدق، لسنا أمام “دولة تتغير”، بل أمام عقدة لوجستية يعاد تأمينها وفق ميزان قوة جديد. وهذا النوع من التحولات لا يُقاس فقط بالحدود السياسية، بل بإعادة رسم خرائط الاعتماد المتبادل في التجارة العالمية.
البعد المالي لا يقل أهمية. الاقتصاد الإيراني يعيش تحت منظومة عقوبات طويلة الأمد. إذا تغيّر النظام بفعل ضغط خارجي، فإن عملية “إعادة الإدماج” في النظام المالي العالمي لن تكون تقنية أو محايدة. ستُطرح شروط تتعلق بإعادة الهيكلة، والخصخصة، وفتح الأسواق، وإعادة توزيع العقود في قطاعات الطاقة والبنية التحتية. في مثل هذه السياقات، تتحول أدوات الدين والاستثمار إلى آليات نفوذ موازية للقوة العسكرية. الصراع هنا لا ينتهي بإسكات المدافع، بل ينتقل إلى ميدان الترتيبات المالية بعيدة الأمد.
هذا ما يفسر الحذر الذي تبديه عواصم عديدة في المنطقة. فهي تدرك أن أي تصعيد واسع لن يبقى محصورا في الجغرافيا الإيرانية، بل سينعكس على اقتصاداتها، وأسواقها المالية، وأمنها الداخلي. أراضٍ تستضيف قواعد عسكرية، وممرات بحرية حيوية، واعتماد متبادل في أسواق الطاقة؛ كلها عناصر تجعل المنطقة برمتها جزءاً موضوعياً من المعادلة، حتى إن لم تكن طرفاً مباشراً فيها.
الأخطر من الحرب نفسها هو تطبيع فكرة أن إعادة تشكيل الإقليم تحسم بالقوة الخارجية، وأن التحولات الكبرى تدار من خارج المجتمعات المعنية بها. حين يختزل النقاش في ثنائية إسقاط النظام أو الإبقاء عليه، يُهمَّش سؤال السيادة الاقتصادية والقدرة على صياغة مسارات تنموية مستقلة. في هذه الحالة، لا تكون النتيجة شرق أوسط أكثر حرية بالضرورة، بل مجالا أكثر انكشافا لإعادة توزيع النفوذ وفق موازين مفروضة.
تجربة العراق في مطلع الألفية الثالثة تقدم مثالا على الفجوة بين الخطاب والنتائج. إسقاط النظام آنذاك لم يكن نهاية الصراع، بل بداية إعادة تشكيل عميقة للتوازنات الداخلية والإقليمية، بكلفة بشرية واقتصادية امتدت لسنوات. الدرس هنا ليس تطابق الحالات، بل التحذير من أن التحولات القسرية تحمل آثارا ممتدة تتجاوز لحظة الحدث.
في المحصلة، أي قراءة مسؤولة للمشهد الإيراني يجب أن تجمع بين الجيوسياسة والاقتصاد السياسي. فالمسألة لا تتعلق بخصومة أيديولوجية مع نظام بعينه، بل بإعادة صياغة معادلة القوة والريع والاعتماد المالي في إقليم شديد الحساسية. من يربح عسكرياً؟ من يعيد توجيه تدفقات الطاقة ورأس المال؟ ومن يتحمل كلفة عدم الاستقرار الطويل؟
الاحتفاء السريع بالتصعيد قد يغفل هذه الأسئلة البنيوية. غير أن التاريخ يظهر أن كلفة إعادة تشكيل الأقاليم لا تدفع في لحظة الانهيار، بل في السنوات التي تليها. وبين الرغبة في التغيير وحسابات القوة، تبقى الحاجة قائمة إلى تحليل بارد لا ينحاز للشعارات، بل يتتبع مآلات البنية العميقة للنظام الإقليمي.
