تحليل/
تشهد المنطقة تصاعدا متزايدا في التوتر بين إيران و”إسرائيل”، في ظل مناورات صاروخية إيرانية واستعراض للصواريخ خلال هذا اليوم والأيام الماضية. “إسرائيل” أرسلت إشارات إلى الولايات المتحدة مفادها أن هذه التدريبات قد تكون غطاء لهجوم استباقي محتمل على تل أبيب. من جانبها، المخابرات الأمريكية لم ترصد أي مؤشرات ملموسة تشير إلى استعداد إيران لشن هجوم وشيك، ما يبرز فجوة واضحة بين التقييم الإسرائيلي الأكثر حدة والتحليل الأمريكي الأكثر اعتمادا على البيانات الملموسة.
الاختلاف بين الموقفين يعكس طبيعة كل كيان في قراءة التهديدات. “إسرائيل” تاريخيا تميل إلى تبني سيناريوهات أسوأ الاحتمالات، خاصة فيما يتعلق بالصواريخ والبرنامج النووي الإيراني. بينما تميل واشنطن إلى تقييم الأمور عبر مؤشرات استخباراتية دقيقة قبل اتخاذ أي إجراءات، وهو ما يفسر الهدوء النسبي في الموقف الأمريكي رغم التصعيد الإعلامي الإسرائيلي.
التسريبات الأخيرة عبر وسائل إعلام توحي بأن إسرائيل تسعى لممارسة ضغط سياسي على واشنطن لإعادة فتح الخيارات العسكرية ضد إيران. هذا النوع من الضغط يعكس استراتيجية طويلة المدى لإبقاء الملف الإيراني حاضرًا على طاولة الإدارة الأمريكية، رغم أن الانشغالات العالمية الأخرى تجعل الشرق الأوسط أقل أولوية.
التركيز الأمريكي الحالي ينصب على ملفات استراتيجية كبرى، أبرزها التوترات مع الصين وتحديات فنزويلا وأوكرانيا وأزمات الأمن السيبراني والطاقة. وهذه الأولويات تجعل الإدارة الأمريكية تتعامل مع التهديدات الإيرانية بحذر وبدون الاستعجال، مع متابعة مستمرة لتطورات الصراع الإسرائيلي-الإيراني دون الانخراط المباشر في تصعيد محتمل.
اللقاء المرتقب بين رئيس الوزراء “الإسرائيلي” نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترمب في ميامي يوم 29 من الشهر الجاري يأتي في هذا الإطار. فالهدف المحتمل من هذا الاجتماع هو بحث آليات الضغط على إيران في المستقبل القريب، وربما مناقشة سيناريوهات بعيدة المدى، بما في ذلك إمكانية تنفيذ ضربة محتملة ضد إيران في عام 2026. هذا يؤكد أن إسرائيل تبحث عن غطاء أمريكي يضمن لها التفوق الاستراتيجي، حتى إذا لم يكن هناك تهديد عسكري وشيك على الأرض.
يمكن قراءة التحركات الإسرائيلية على أنها مزيج من استراتيجية ضغط سياسي واختبار للرد الأمريكي. قد تكون المخاوف الإسرائيلية مبالغا فيها كما جرت العادة، لكنها أداة لضمان أن يبقى الملف الإيراني أولوية ضمن جدول الأعمال الأمريكي، رغم الانشغالات العالمية الأخرى.
في الوقت نفسه، استمرار إيران في تطوير قدراتها الصاروخية يظهر رغبتها في تعزيز الردع وفرض وجودها الاستراتيجي، دون الانخراط في مواجهة مباشرة في الوقت الحالي. ما يعكس العمل على توازن القوى الإقليمي، حيث كل طرف يسعى لإظهار قوته دون دفع الأمور إلى حرب مفتوحة قد تكون مكلفة للغاية.
يمكن القول إن الوضع الراهن يحمل أكثر طابع سياسي واستراتيجي من كونه تهديدا عسكريا وشيكا. ومع ذلك، يبقى مراقبة التطورات عن كثب ضرورية، لا سيما فيما يتعلق بالمؤشرات العملية على الأرض التي قد تغير المعادلة بشكل سريع. الفجوة التي يتم الترويج بين التقييم الإسرائيلي والأمريكي تعكس ربما تحديا استراتيجيا ظاهريا وشكليا في قراءة نوايا إيران وتقدير المخاطر المحتملة.
