تقرير/
كشفت معطيات حديثة عن محاولة “جيفري إبستين”، قبل عشرة أيام فقط من اعتقاله في صيف 2019، تحويل مبلغ ضخم بلغ 27,7 مليون دولار عبر شركة الوساطة المالية Charles Schwab، بهدف اقتناء قصر فاخر في المغرب، في خطوة تثير تساؤلات عميقة حول نواياه وخططه المحتملة لنقل جزء من نشاطه خارج الولايات المتحدة.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن عملية التحويل نُفذت بالكامل، بما في ذلك تحويل تم رغم عدم كفاية الرصيد في الحساب المعني، وهو ما يطرح علامات استفهام حول معايير الامتثال والرقابة الداخلية داخل المؤسسة المالية. الأخطر من ذلك أن الإبلاغ عن نشاط مشبوه إلى وزارة الخزانة الأميركية لم يتم إلا بعد سبعة أيام من اعتقال إبستين، رغم أنه كان منذ عام 2018 تحت تدقيق قضائي وإعلامي مكثف على خلفية اتهامات خطيرة بالاتجار بالقاصرات واستغلالهن جنسيا.
الصفقة العقارية لم تكتمل في نهاية المطاف، إذ فشل شراء القصر وتم بيعه لاحقا لشخص آخر. غير أن فشل الصفقة لا يقلل من دلالاتها، بل يعزز فرضية أن إبستين كان يسابق الزمن لإعادة تموضع أصوله وربما البحث عن ملاذ جديد.
اشتهر إبستين باقتنائه جزيرة خاصة في جزر العذراء الأميركية، عُرفت إعلاميا باسم “جزيرة إبستين”، والتي تحولت إلى رمز عالمي لشبكة النفوذ والاتجار بالبشر واستغلال القاصرات. وعليه، فإن محاولة اقتناء قصر فاخر في المغرب تفتح الباب أمام فرضية سعيه لتأسيس قاعدة جديدة بعيدة عن الضغوط القضائية الأميركية، في بيئة قد تمنحه هامش حركة أوسع.
وفي ما يتعلّق بالمغرب، فإن محاولة اقتناء قصر فاخر على ترابه من طرف شخصية بحجم وخلفية جيفري إبستين الاجرامية لا يمكن التعامل معها كخبر عقاري عابر. فالمسألة تطرح، بشكل مباشر وصريح، أسئلة حساسة من قبيل لماذا اختار المغرب في تلك اللحظة الحرجة من مساره الاجرامي والقضائي؟ هل كان الأمر مجرد تنويع استثماري، أم بحثا عن فضاء جديد يعيد من خلاله ترتيب شبكته وعلاقاته بعيدا عن الضغط الأميركي ومحاولة إنشاء جزيرة إبستين (2) في مراكش؟
وهل كانت هناك اتصالات أو وسطاء محليون على علم بخلفيته المثقلة بالاتهامات الخطيرة المتعلقة بالاتجار بالقاصرات واستغلالهن جنسيا؟
ثم ماذا لو تمت الصفقة فعلا؟ هل كان القصر سيتحول إلى نقطة تمركز جديدة لنفوذ مالي واجتماعي واجرامي عابر للحدود مشابه لذلك الذي أحاط به في ممتلكاته السابقة؟ وهل كانت السلطات والجهات المختصة ستنتبه مبكرا إلى خطورة انتقال شخصية خطيرة مثيرة لكل ذلك الجدل إلى المجال العقاري والسياحي المغربي؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني الجزم بوقوع جرائم على الأراضي المغربية، لكنه يفرض نقاشا شفافا حول مدى جاهزية منظومات الرقابة والتتبع للتعامل مع أموال وأشخاص تحوم حولهم شبهات دولية ثقيلة، وحول كيفية منع أي احتمال لاستغلال القاصرين تحت غطاء الاستثمار أو العلاقات الرفيعة.
تحركات إبستين المالية في أيامه الأخيرة تعكس، على الأرجح، إدراكا متزايدا بقرب الخطر. وإعادة توزيع الأصول أو محاولة تحويلها إلى عقارات خارج الولايات المتحدة قد تكون جزءا من استراتيجية للالتفاف على الضغوط القانونية أو لحماية الثروة.
في كل الأحوال، تكشف هذه المعطيات أن قصة إبستين لم تكن مجرد ملف جنائي، بل شبكة معقدة من العلاقات والقرارات المالية التي امتدت آثارها إلى ما وراء الحدود الأميركية، لتضع المنظومة المالية العالمية أمام مرآة مساءلة حقيقية.
