عرفت مدينة آسفي فاجعة حقيقية بعد السيول التي خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة، وأعادت إلى الواجهة سؤال الجاهزية والمسؤولية السياسية في تدبير الكوارث. وفي قلب هذا النقاش، برز غياب وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت عن الميدان، في وقت كان من المفترض أن يكون فيه على رأس عمليات التتبع والتدخل، بحكم موقعه المركزي في هرم السلطة الترابية.
لكن لفهم هذا الغياب، تكشف المشهد أخيرا، الوزير يظهر على منصة التتويج إلى جانب فوزي لقجع، محتفيا بتتويج المنتخب بطلا لـ “كأس العرب” على حساب الأردن. هذه الصورة تغيّر طبيعة النقاش تماما، إذ لا يتعلق الأمر بمهمة رسمية عاجلة أو التزام دبلوماسي لا يمكن تأجيله، بل بنشاط كان من الممكن العدول عنه أمام حجم الكارثة التي كانت تتكشف على الأرض.
وزارة الداخلية ليست قطاعا عاديا، بل هي الوزارة المشرفة على الولاة والعمال والوقاية المدنية والأمن الترابي، أي إنها الجهة الأولى المعنية بتدبير الأزمات والكوارث الطبيعية. وعليه، فإن حضور الوزير في موقع الحدث لا يُعد مسألة شكلية أو بروتوكولية، بل جزءاً من المسؤولية السياسية المباشرة، خاصة عندما تكون هناك مؤشرات على احتقان اجتماعي وشعور عام بالغضب.
صحيح أن التدبير الإداري يمكن أن يستمر عبر السلم الترابي، لكن الأزمات الكبرى لا تُدار فقط بالتعليمات والبلاغات. إنها تُدار بالحضور، وبإرسال إشارات واضحة للمواطنين بأن الدولة في صفهم، وأن أعلى مسؤول في القطاع المعني يتابع الوضع عن قرب ويتحمل مسؤوليته كاملة.
غياب وزير الداخلية في هذا الظرف فُهم من طرف فئات واسعة من الشعب المغربي على أنه ضعف في تقدير خطورة المرحلة، وسوء في ترتيب الأولويات. فحين تكون مدينة كاملة غارقة في الأوحال، ويعيش سكانها لحظات خوف وغضب، يصبح أي حضور رسمي خارج هذا السياق عرضة للانتقاد، مهما كانت مبرراته.
المسألة لا تتعلق بشخص الوزير بقدر ما تتعلق بمنطق الحكامة السياسية. فالمسؤولية، في مثل هذه اللحظات، تفرض إعادة النظر في البرامج والالتزامات، وتقديم ما هو مستعجل على ما هو ثانوي. حضور مباراة رياضية، مهما كانت أهميتها الرمزية، لا يمكن أن يُقارن بواجب الإشراف على تدبير فاجعة إنسانية.
إن ما وقع يعكس خللا أعمق في طريقة تعامل الدولة مع الأزمات، حيث يتم أحيانا الاكتفاء بالتدبير التقني، وإغفال البعد السياسي والانساني والتواصلي. وهذا الخلل هو ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين المواطن والدولة، ويغذي الإحساس بغياب المحاسبة وضعف الإحساس بالمسؤولية.
فعقلية المخزن، كما تظهر في مثل هذه اللحظات، ما تزال أسيرة تصور قديم يعتبر أن الحضور الرمزي غير ضروري، وأن الدولة لا تُحاسَب على الغياب، بل فقط على ضبط الأوضاع. غير أن هذا التصور يصطدم اليوم بواقع اجتماعي مختلف، وبمواطن لم يعد يقبل أن يُعامل كموضوع للتدبير، بل كطرف له الحق في الاهتمام، وفي رؤية المسؤولين حيث يجب أن يكونون.
إن حضور وزير الداخلية في آسفي لم يكن سيحل كل المشاكل، لكنه كان سيحمل معنى سياسيا واضحا وهو الاعتراف بالفاجعة، وتحمل المسؤولية، وكسر صورة الدولة البعيدة. أما الغياب، فقد عزز الإحساس بأن منطق المخزن ما يزال حاضرا بقوة، وأن المواطن لا يُستدعى إلا عند الضرورة، لا كشريك، بل كموضوع للضبط والقمع.
في النهاية، ما كشفته فاجعة آسفي ليس فقط هشاشة البنية التحتية، بل هشاشة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالدولة التي ترى في مواطنيها رعية، لا تجد حرجا في إدارتهم عن بعد، حتى وهم يغرقون. أما الدولة التي ترى فيهم مواطنين، فتعرف أن مكان المسؤول، في لحظات الكارثة، هو حيث يوجد الناس، لا حيث تُلتقط الصور.
