إلياس المرابط/
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يعد التحول الجاري في الاقتصاد العالمي حدثاً ظرفياً مرتبطاً بتغير إدارة سياسية، بل بات يعكس اتجاهاً بنيوياً يعيد صياغة منطق الاقتصاد السياسي الدولي. فالتجارة لم تعد مجالاً تقنياً تحكمه القواعد والمؤسسات، بل تحولت تدريجياً إلى أداة نفوذ مباشر، تُستخدم للضغط وإعادة ترتيب العلاقات الدولية، وهو ما يتجلى بوضوح في سياسة الرسوم الجمركية والتهديد برفعها، وفي الدفع نحو إنشاء أطر دولية موازية مثل ما يُعرف بـ“مجلس السلام”.
في الأدبيات الكلاسيكية، تُستخدم الرسوم الجمركية لأغراض اقتصادية محددة، كحماية الصناعات الوطنية أو تصحيح اختلالات مؤقتة في الميزان التجاري. غير أن مقاربة ترامب تنقل هذه الأداة إلى مستوى جديد، حيث تصبح الرسوم وسيلة ضغط سياسي حتى على الحلفاء، بما يُدخل التجارة في قلب الصراع الجيوسياسي. هذا التحول، كما تشير تقارير صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، يضرب أحد أعمدة النظام التجاري العالمي، وهو قابلية التنبؤ، إذ تصبح القرارات الاقتصادية رهينة لمواقف سياسية آنية، ما يرفع منسوب عدم اليقين ويؤثر سلباً على الاستثمار والنمو العالمي (1)(2).
وتُظهر البيانات أن آثار هذا النهج لا تتوزع بالتساوي بين الدول. فالاقتصادات الكبرى تمتلك هامشاً للمناورة، في حين تتحمل الدول النامية والمتوسطة الجزء الأكبر من الكلفة. المغرب، باعتباره اقتصاداً منفتحاً ومندمجاً في سلاسل القيمة العالمية، يتأثر مباشرة بهذه التحولات. فالصادرات الصناعية والفلاحية، التي تشكل رافعة أساسية للنمو والتشغيل، تبقى مرتبطة باستقرار القواعد التجارية الدولية وبالطلب الخارجي. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصادات المفتوحة تكون أكثر عرضة لاضطرابات سلاسل التوريد وتقلبات السياسات التجارية لدى الشركاء الكبار، خاصة عندما تتحول هذه السياسات إلى أدوات أحادية (3).
وتزداد حساسية الوضع المغربي بالنظر إلى اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة. ففي مناخ “أمريكا أولاً”، لم تعد الاتفاقيات التجارية ضمانة كافية ضد الإجراءات غير الجمركية أو إعادة التفاوض الضمني، ما يفرض على المغرب التفكير في كيفية الحفاظ على شراكاته الاستراتيجية دون الوقوع في تبعية تجارية أو سياسية. ويظهر هذا التحدي أيضاً في مناخ الاستثمار، حيث يؤثر عدم الاستقرار في النظام التجاري العالمي على تدفقات الرساميل وثقة المستثمرين.
في موازاة ذلك، تطرح مبادرة “مجلس السلام” إشكالية أعمق تتعلق بمستقبل الحوكمة (Governance) الدولية. فبدلاً من تعزيز الأمم المتحدة وإصلاح اختلالاتها، تتجه واشنطن نحو بناء أطر انتقائية قائمة على التمويل والاصطفاف السياسي. ورغم أن هذه المبادرة لا تشكل بديلاً قانونياً عن الأمم المتحدة، إلا أنها تعكس توجهاً لتقليص دور التعددية وتعويضها بمنطق التعاقد السياسي، حيث يرتبط التأثير الدولي بالقدرة على الدفع والموقع الجيوسياسي. وتحذر مراكز بحث دولية من أن هذا المسار يضعف صوت الدول المتوسطة ويقلص هامش المناورة الذي كانت توفره المؤسسات متعددة الأطراف (4)(5).
بالنسبة للمغرب، الذي اعتمد تاريخياً على الشرعية الدولية والأطر متعددة الأطراف في تدبير قضاياه الاستراتيجية والتنموية، فإن تآكل هذه المنظومة يحمل مخاطر غير مباشرة. فضعف التعددية يعني تصاعد الضغوط الثنائية وربط التعاون الاقتصادي بالمواقف السياسية بدل الاحتكام إلى قواعد عامة. وفي عالم تسوده هذه الدينامية، تصبح الدول المتوسطة مطالبة بتقوية ركائزها الداخلية وتنويع شراكاتها لتقليص درجة التعرض للصدمات الخارجية.
ورغم ذلك، تشير تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن الدول القادرة على تنويع أسواقها، وتعميق التكامل الإقليمي، وتطوير الطلب الداخلي، تكون أقدر على امتصاص التحولات في النظام العالمي (6). وفي هذا السياق، يبرز أمام المغرب رهان تعميق انخراطه الإفريقي، وتوسيع شراكاته مع أوروبا وآسيا، وتسريع بناء قاعدة صناعية وغذائية أكثر استقلالية.
في المحصلة، لا تعكس سياسات ترامب مجرد أسلوب تفاوضي حاد، بل انتقالاً أوسع من منطق القواعد إلى منطق القوة في إدارة الاقتصاد العالمي. وفي عالم أقل استقراراً وأكثر قابلية للصدامات، لم يعد التحدي المطروح على المغرب هو كيفية تعظيم مكاسب العولمة، بل كيفية حماية اقتصاده ومجتمعه في ظل تراجع التعددية وتصاعد الأحادية.
الإحالات الرقمية
- International Monetary Fund, World Economic Outlook, 2025.
- World Trade Organization, World Trade Report, 2024.
- World Bank, Global Economic Prospects, 2025.
- Brookings Institution, Global Trade and Power Politics, 2025.
- Chatham House, Multilateralism under Pressure, 2024.
- OECD, Economic Outlook, 2025.
