- عماد العتابي
لم تكن الهزيمة أمام فرنسا مجرد خسارة في مباراة كرة قدم بالنسبة للكثيرين، ولم يكن التراجع إلى الخلف مجرد خيار تكتيكي فرضته ظروف المواجهة. فبعض المباريات تحمل معها ما هو أكبر من الخطة والتمركز واللياقة البدنية؛ بل تحمل تاريخا كاملا من العلاقات ومن موازين القوة والصور الذهنية التي تصنعها السياسة قبل أن تصل إلى الملاعب.
هل يمكن لمنتخب أن يتحرر نفسيا من خصم، بينما لم يُحسم في الوعي السياسي بشكل كامل سؤال الاستقلال والندية وصناعة القرار؟
فالمغرب، منذ حصوله على الاستقلال، ظل يعيش علاقة معقدة مع فرنسا. هناك من يعتبر أن مرحلة ما بعد الحماية أسست دولة “مستقلة” ذات سيادة، وهناك من يرى أن الاستقلال الذي جاء بعد اتفاقية إيكس ليبان لم يكن قطيعة كاملة مع النفوذ الفرنسي، بل انتقالا من شكل مباشر للهيمنة إلى أشكال أكثر نعومة وتأثيرا عبر الاقتصاد والثقافة والسياسة.
ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن “الاستقلال الأعرج” الذي أشار إليه الزعيم الريفي محمد بن عبد الكريم الخطابي لا يتعلق فقط برفع علم الدولة أو إنهاء الوجود العسكري المباشر، بل يتعلق بامتلاك القرار الوطني الكامل، وبقدرة الأمة على رسم خياراتها دون تأثير خارجي.
وهنا يبرز السؤال الأهم، هل يمكن أن تكون هناك علاقة بين وضع سياسي غير مكتمل السيادة، وبين حالة نفسية جماعية تظهر في بعض المواجهات الرياضية؟
فالرياضة ليست منفصلة عن المجتمعات التي تنتجها. واللاعب لا يدخل الملعب بجسده فقط، بل يدخل أيضا بذاكرة وطنه، وبصورته عن الآخر وبالإحساس بمكانة بلده في العالم. وعندما يكون الخصم مرتبطا بتاريخ طويل من النفوذ والتأثير والسيطرة، فقد تصبح المواجهة أكثر من مجرد تسعين دقيقة.
لماذا استطاع المنتخب المغربي أن يقف ندا أمام منتخبات عالمية أخرى مثل البرازيل وهولندا، وأن يظهر شخصية قوية أمام أسماء كبرى، بينما يبدو أن مواجهة فرنسا تحمل دائما حمولة نفسية مختلفة؟ هل السبب فقط هو قوة المنتخب الفرنسي؟ أم أن هناك طبقة أعمق مرتبطة بصورة فرنسا في المخيال المغربي أو مرتبطة بخفايا سياسية نجهلها نحن؟
المشكلة ليست في احترام المنافس، فالاحترام جزء من الرياضة. المشكلة تبدأ عندما يتحول احترام القوة إلى اعتراف داخلي بتفوقها، وعندما يصبح التاريخ عبئا نفسيّا بدل أن يكون دافعا للتحرر.
المنتخبات الكبرى لا تولد فقط من المواهب والتدريب، بل من عقلية تؤمن بالمساواة مع الجميع. فالفريق الذي يدخل الملعب وهو يشعر أنه يواجه “قوة تاريخية” قبل أن يواجه أحد عشر لاعبا، يكون قد منح خصمه أفضلية قبل انطلاق المباراة.
لذلك فإن معركة المنتخب المغربي الحقيقية ليست فقط مع التكتيك واللياقة، بل مع آخر آثار عقد الماضي وبالخصوص عقدة “ماما فرنسا” وإيكس ليبان. فكما تحتاج الدول إلى استقلال قرارها السياسي، تحتاج أيضا إلى استقلالها النفسي؛ لأن التحرر من النفوذ لا يكتمل إلا عندما يتحرر العقل من الإحساس بالدونية أمام أي قوة خارجية.
قد تكون الهزيمة أمام فرنسا نتيجة أخطاء رياضية عادية، وقد تكون مجرد ليلة سيئة في كرة القدم. وقد تكون بفعل فاعل. لكن السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحا؛ هل تجاوز المغرب فعلا مرحلة “ماما فرنسا” في السياسة والوعي والنفس، أم أن بعض المباريات تكشف أن الماضي لم يغادر الملعب بعد؟
