في مبادرة تضامنية جديدة، أقدمت مجموعة من أبناء الريف في أوروبا على جمع أكثر من مئة كتاب موجهة إلى معتقلي حراك الريف بسجن طنجة. هذه الكتب، التي اختيرت بعناية، ليست مجرد عناوين تُرسل إلى خلف القضبان؛ بل هي وسيلة للحرية، ومساحة بديلة للتنفس والمعرفة، ورسائل أمل تكسر رتابة العزلة وضيق السجن والسجان.
لقد أراد هؤلاء الشباب أن يرسلوا للمعتقلين شعاعا من النور وسط الظلام، أن يذكّروهم بأن الثقافة والمعرفة لا تُسجن، وأن الكلمة قادرة دائمًا على عبور الأسوار، وتجاوز القيود التي تفرضها الجدران. إنها هدية متواضعة تحمل في طياتها تقديرا لصمود المعتقلين، وعرفانا بعزيمتهم وثبات مواقفهم، واعترافا بقلوبهم النبيلة التي ما زالت تنبض بالحياة رغم القيود، وتحتضن الأمل في أحلك الظروف.
هذه المبادرة تذكرنا جميعًا بأن القراءة ليست مجرد تسلية، بل فعل مقاومة راقٍ، وسلاح من سلاح الحرية التي لا يمكن أن تُقيد. في صفحات هذه الكتب يجد المعتقلون رفقة صادقة، ونافذة تطل على عوالم جديدة، وأفكار وأحاسيس تجعلهم يشعرون بأنهم جزء من مجتمع يعتز بهم، وأنهم لم يُتركوا وحدهم في مواجهة الظلام.
إنها رسالة لكل من يقرأها، بأن التضامن والإيمان بالقيم الإنسانية قادران على أن يصنعا فرقا، وأن الروح الإنسانية، حين تتحد مع الثقافة والمعرفة، تستطيع أن تهزم العزلة، وتزرع الأمل في أصعب الظروف. هذه الكتب، بكل ما تحمله من كلمات وأفكار، هي عربون محبة واعتراف بكرامة المعتقلين، ودليل على أن الحرية تبدأ في الفكر والروح قبل أن تتحقق في المكان.
إن ما قام به شباب الريف في أوروبا ليس مجرد جمع كتب، بل هو احتضان رمزي للقيم الإنسانية، وإرسال رسالة تقول، مفادها أنتم في قلوبنا، وأن عزيمتكم وإصراركم مصدر إلهام لكل من يعرف قيم الحرية والمعرفة. هذه المبادرة تضيء مثالا حيا على قدرة الثقافة على التغلغل في أعماق الروح، وإشعال شرارة الأمل، مهما كثفت الظلال حولنا.
إنها دعوة لكل من يقرأ هذه المبادرة أن يؤمن بقوة الثقافة، وأن يعرف أن التضامن لا يقاس بالمال أو المنصب، بل بالإرادة، وبالقدرة على أن نفكر ونحرك الوعي والأمل في القلوب، حتى في أصعب الظروف. شباب الريف في أوروبا لم يقدموا مجرد كتب، بل قدموا رسالة حية بأن الإنسان يمكن أن يظل حرا بروحه وفكره، مهما حاصرته الجدران، وأن الثقافة هي البوابة التي لا يُقفل عليها أي سجن.
مئة كتاب ويزيد تشع نورا، وتعيد التأكيد على أن القراءة والمعرفة والصمود هي أرقى صور المقاومة، وأن الأمل الحقيقي يولد حين نحتفظ بالكرامة والوعي، وأن الكلمات، مهما بدت بسيطة، يمكن أن تهزم العزلة، وأن تزرع في النفس شعورا بأن الحرية الحقيقية تبدأ في الداخل، حيث الروح الحرة لا يعرفها الحبس، ولا تحدها الزنزانة.
