مرة أخرى، تُختبر كرامة هذا الوطن على مرأى ومسمع من رجال الحموشي والجيش المغربي والعالم، ومرة أخرى تكتفي السلطات المغربية بدور المتفرج، وكأن السيادة الوطنية مشهد في فيلم أجنبي لا علاقة لنا به.
سياسي إسباني من أقصى اليمين، لا يملك من القوة سوى الكاميرا وحسابا على وسائل التواصل الاجتماعي، يتسلل من شاطئ السفيحة نحو جزر خليج الحسيمة، يدعي أنه رفع علمًا إسبانيا طوله أربعة أمتار، ثم يبتسم للعدسات وهو يعلن من قلب الريف أن هذه الجزر “إسبانية وستبقى كذلك”، بينما نحن نكتفي بصمت يشبه الصمت على الإهانة.
تخيلوا المشهد، رجل يميني عنصري جاء ليؤكد احتلالا قائما، علنا، أمام أعيننا، ونحن لا نرد بكلمة، لا دبلوماسيا ولا ميدانيا. هل كان ينقصنا سوى أن نرسل له باقة ورد ورسالة شكر على “تذكيرنا” بأن أراضينا ما زالت تحت الاحتلال؟ أين التصريحات الغاضبة؟ أين الاستدعاءات الرسمية؟ أين الرسائل الدبلوماسية القاسية التي نحتفظ بها في الأدراج منذ عقود؟ يبدو أننا استبدلناها بسياسة “دعهم يتسلون”، وكأن الأمر نكتة عابرة.
لكن، ما يضاعف من مرارة الصمت، هو أن هذه الأرض نفسها رويت بدماء أجدادنا. هنا، في هذه السواحل، واجه الريفيون المدافع بالبنادق البدائية، وتصدّوا للجيوش المدججة بالسفن والطائرات، تحت قيادة القائد الأممي محمد بن عبد الكريم الخطابي. هنا انطلقت حرب الريف، وهنا ارتفع علم الثوار في وجه الاستعمار الإسباني، لا عبر منشورات على الإنترنت، بل عبر معارك شرسة سُطّرت في كتب التاريخ.
هؤلاء الرجال لم يسألوا كم عدد الجنود الإسبان، ولم ينتظروا إذنًا من أحد. كانوا يعرفون أن الأرض إذا أُهينت ولم تُدافع عنها، فإنك تخسرها.. ومعها تخسر نفسك.
اليوم، وبعد قرن ونيف، نرى المشهد معكوسا، خصم يفتعل حدثا رمزيا صغيرا، ونحن نعطيه أكبر جائزة ممكنة، صمتنا. بل صمت يبدو وكأنه موافقة ضمنية، أو على الأقل عدم اكتراث. وهكذا، تتحول السيادة من معنى مقدس إلى كلمة مهترئة نرددها في المناسبات الرسمية.
السيادة لا تُحمى بالشعارات ولا بالمناهج المدرسية ولا بالذكريات، السيادة تُحمى بالفعل والردّ والرسائل الواضحة، أن هذا الوطن ليس ملعبا لأجندات انتخابية أجنبية. أما أن نسمح بأن تتحول حدودنا وجزرنا إلى “مسرح” لبطولات وهمية، فهذا يعني أننا ندفع ثمن صمتنا، وندفعه غاليا…
في النهاية، إذا كان بيريز قد حقق هدفه من خلال فيديو دعائي قصير، فإننا حققنا هدفنا أيضا، باثبات أننا نملك قدرة أسطورية على الصمت، حتى على إهانة العلم والأرض، وحتى على إذلال إرث أجدادنا الذين ماتوا وهم يرددون.. “الأرض عرض.. والعرض لا يُفرّط فيه.”
ولعلنا لو أصغينا اليوم إلى صدى صوت مولاي موحند، لسمعناه يصرخ في وجوهنا: “الاستعمار ليس قوة علينا الركوع لها، بل مرض يجب استئصاله… وحريتنا لا يمنحها أحد، نحن من ننتزعها بأيدينا”، ثم يذكّرنا أن السيادة لا تورّث في الوثائق، بل تُصان في الميدان، وإلا فإن الأعلام التي ترفع اليوم في جزرنا قد تُرفع غدا في مدننا، ونحن ما زلنا نرفع ونهز أكتافنا.
