- عماد العتابي
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر بين إيران ومحور المقاومة من جهة، والمحور الصهيوأمريكي من جهة أخرى، يتكرر مشهد لافت في الفضاء العربي، حيث تعلو موجة من الشماتة أو الترحيب الضمني بأي عدوان يُوجَّه ضد طهران.
هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها فقط في الاختلافات المذهبية أو الصراعات السياسية التقليدية. كما يحاول البعض تبسيطها. فالمسألة أعمق بكثير، وتتصل بطبقات نفسية وسياسية تراكمت عبر عقود طويلة من الهزائم والارتهان وفقدان الكرامة والشرف.
فالأمم، كما الأفراد، حين تفقد كرامتها وشرفها وثقتها بنفسها وتعتاد موقع التابع الذليل، تبدأ بالنظر بريبة وعداء إلى كل من يحاول الخروج من دائرة التبعية. عندها يصبح الاستقلال تهمة والسيادة استفزازا لمشاعرهم والمقاومة مغامرة غير محسوبة.
في علم النفس السياسي توجد ظاهرة معروفة، فحين تعجز أمة أو نخبة سياسية عن استعادة استقلالها وشرفها وكرامتها، فإنها تميل إلى مهاجمة أو التشكيك في كل من يحاول كسر منظومة الهيمنة ذاتها التي خضعت لها وداست على كرامتها وشرفها. وبدل أن يكون نموذج الاستقلال مصدر إلهام لهم، يتحول إلى مصدر إزعاج يفضح حجم التبعية والضعف.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الخطاب العربي العدائي تجاه إيران. المشكلة عند هؤلاء ليست في سياسات طهران، ولا حتى في الاختلاف المذهبي الذي يُرفع كشعار جاهز. المشكلة الحقيقية أن إيران، منذ عقود، قررت أن تسلك طريقا مختلفا، طريق السيادة والاستقالية والحفاظ على الشرف والكرامة، وأهم شيء الصدام مع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، لا التكيف معها.
المفارقة أن هذا العداء لم يكن حاضرا بالشدة نفسها خلال حقبة الشاه. يومها كانت العلاقات العربية-الإيرانية أكثر دفئًا، ولم يكن التشيّع الإيراني يُطرح كخطر وجودي كما يُطرح اليوم. لأن إيران الشاه كانت جزءا من منظومة النفوذ الغربي في المنطقة، ولم تكن تمثل تحديا جديا لمعادلة القوة التي تحكم الشرق الأوسط.
لكن بعد التحول الجذري في السياسة الإيرانية، تغيّر المشهد. وأصبحت إيران لاعبا يسعى إلى قدر من الاستقلال الاستراتيجي، ويدخل في صدام مباشر مع إسرائيل والولايات المتحدة. ومنذ تلك اللحظة، بدأ خطاب التخويف والتحريض يتصاعد، ليس فقط من العواصم الغربية، بل من العواصم العربية أيضا.
لا يعني ذلك أن إيران فوق النقد أو أن سياساتها الإقليمية لا تستحق النقاش. فكل دولة، مهما كان موقعها، تخضع للتقييم والمساءلة. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق، لماذا يتحول أي صراع بين إيران وأمريكا وربيبتها إسرائيل إلى مناسبة لدى جزء كبير من العرب للاصطفاف التلقائي مع الرواية الأمريكية والإسرائيلية؟
العدوان الصهيو-أمريكي على إيران اليوم ليس مجرد فصل جديد في صراع جيوسياسي. إنه اختبار آخر لوعي المنطقة. فهل تستطيع شعوبها أن تنظر إلى الصراعات الكبرى من زاوية مصالحها وسيادتها واستقلالها واسترجاع كرامتها وشرفها المهتوك؟ أم ستظل أسيرة خطاب يصفق لأي حرب وعدوان على إيران ودول وقوى محور المقاومة ما دام موجَّها إلى طرف لا يروق الأنظمة العربية العميلة ونخبها المخصية؟
الاختلاف مع إيران حق مشروع. لكن تحويل العدوان الخارجي عليها إلى مناسبة للشماتة يكشف شيئًا أكثر خطورة من مجرد خلاف سياسي، إنه يكشف حجم الأزمة التي يعيشها الوعي السياسي في المنطقة، حيث تختلط الهزيمة بالتبرير، وتتحول عقدة النقص إلى خطاب سياسي كامل تتبناه الشعوب العربية.
في المحصلة، لا شيء يفضح هزيمة العرب أكثر من أن يتحول عدوان “إسرائيل” التي تستعبدهم وتذلهم وتبيدهم على إيران ومحور المقاومة إلى مصدر ارتياح لديهم.
