أمستردام/ هولندا
كشفت ليلة رأس السنة في هولندا عن وجه آخر للاحتفالات، وجه يتجاوز الحوادث الفردية ليطرح أسئلة جوهرية حول إدارة الفضاء العام، وحدود التساهل مع ممارسات تحولت من طقوس احتفالية إلى سلوك جماعي خطِر. ففي بلد يُضرب به المثل في النظام والاستقرار، تحوّلت ساعات الفرح المفترضة إلى مشاهد فوضى، حرائق، وضحايا.
أبرز مشاهد تلك الليلة كان احتراق الكنيسة volndelkerk التاريخية في قلب أمستردام يعود عمرها إلى نحو 150 عاماً، حيث التهمت النيران أجزاءً كبيرة من المبنى، متسببة بانهيار برجها وتضرر هيكلها المعماري، ما استدعى إخلاء المنازل المجاورة وإعلان حالة استنفار قصوى. احتراق هذا المعلم لم يكن مجرد حادث عرضي، بل رمزًا لانفلاتٍ طال حتى الإرث الثقافي والتاريخي للمدينة، في مشهد صادم يعكس حجم فقدان السيطرة خلال تلك الساعات.
إلى جانب الكنيسة، اندلعت حرائق متفرقة في عدة مدن هولندية، طالت سيارات، حاويات نفايات، ومبانٍ سكنية، ما أثقل كاهل فرق الإطفاء والطوارئ، ودفع السلطات إلى إصدار نداءات عاجلة للمواطنين بعدم الاتصال بأرقام الطوارئ إلا في الحالات القصوى. هذا الضغط غير المسبوق كشف محدودية جاهزية الخدمات أمام سلوك جماهيري واسع النطاق وغير منضبط.
في الخلفية، لعبت الألعاب النارية الدور الأكثر خطورة، إذ خرج استخدامها عن السيطرة، وتحوّلت إلى سببٍ مباشرٍ في سقوط قتيل وإصابة شخصين بجروح خطيرة في مدينة نيميخن، إضافة إلى عشرات الإصابات الخطيرة، خاصة إصابات العيون.
هذه الليلة جاءت في توقيت حساس، قبل تطبيق تشريعات أكثر صرامة على تداول هذه المواد، ما جعلها أقرب إلى “الفرصة الأخيرة” التي استغلها البعض بشكل مفرط، دون اعتبار للعواقب.
اللافت أيضًا كان تصاعد العنف ضد الشرطة والمسعفين، حيث تعرضت فرق الطوارئ للرشق والاعتداء أثناء أداء واجبها، في سلوك يعكس تحولًا مقلقا في العلاقة بين جزء من المجتمع ومؤسسات الدولة. هذا التصعيد دفع الشرطة إلى تنفيذ اعتقالات واسعة في عدة مدن، في محاولة متأخرة لفرض النظام واحتواء الفوضى.
لا يمكن قراءة ما حدث بوصفه سلسلة حوادث منفصلة، بل كمؤشر على أزمة أعمق تتعلق بثقافة الاحتفال، وضعف الردع، وتراكم مشاعر التمرد الجماعي في مناسبات يُفترض أن تكون تحت السيطرة. احتراق كنيسة تاريخية في أمستردام، وسقوط ضحايا، واتساع رقعة الحرائق، كلها نتائج مباشرة لتداخل التساهل القانوني مع سلوك فردي غير مسؤول، تحول إلى خطر جماعي.
ليلة رأس السنة في هولندا لم تكن مجرد بداية مضطربة لعام جديد، بل جرس إنذار حقيقي للسلطات والمجتمع معًا، بأن إعادة النظر في أساليب الاحتفال، وآليات الضبط، وحماية الأرواح والممتلكات، باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل.
