تقرير/
لم يكن الاعتراف برأس السنة الأمازيغية ينّاير في المغرب والجزائر منّةً من الأنظمة السياسية، بل جاء نتيجة نضال طويل خاضته الشعوب الأمازيغية باعتبارها شعوبًا أصلية سعت إلى انتزاع حقها في الوجود والاعتراف داخل دول ما بعد الاستقلال، التي بُنيت على سياسات الإقصاء والإنكار الثقافي.
منذ استقلال المغرب والجزائر، تبنّت الأنظمة الحاكمة خيار الدولة الأحادية الهوية، حيث فُرض التعريب باعتباره مشروعا سياسيا وإيديولوجيا، وتم تهميش الأمازيغية لغةً وثقافةً وتاريخًا. في هذا السياق، تحوّل الاحتفال بينّاير من مجرد تقليد فلاحي وثقافي إلى رمز سياسي للمقاومة السلمية ضد سياسات الطمس والإنكار.
واجه النشطاء الأمازيغيون القمع والمنع والتخوين، سواء في الجزائر خلال أحداث “الربيع الأمازيغي” سنة 1980، أو في المغرب عبر التضييق على الجمعيات الثقافية ومنع الاحتفالات العلنية بينّاير. غير أن استمرارية الفعل النضالي، وتراكم الوعي الحقوقي، وربط القضية الأمازيغية بحقوق الإنسان وحقوق الشعوب الأصلية، جعل من ينّاير أداة ضغط سياسي لا يمكن تجاهلها.
في الجزائر، جاء الاعتراف بينّاير عيدًا وطنيًا وعطلة رسمية سنة 2018 نتيجة عقود من الاحتجاجات، والإضرابات، والحراك الثقافي والسياسي في منطقة القبائل ومناطق أخرى. وقد حاول النظام تقديم هذا القرار في إطار المصالحة الوطنية، غير أن السياق يوضح أنه كان استجابة مباشرة لمطالب شعبية متجذرة، وليس مبادرة طوعية.
أما في المغرب، فقد تأخر الاعتراف الرسمي إلى سنة 2023، بعد مسار طويل من المطالب الدستورية والحركات الأمازيغية التي ربطت الاعتراف بينّاير بمبدأ المساواة والإنصاف الثقافي. ورغم ترسيم الأمازيغية في دستور 2011، ظل الاعتراف بينّاير مؤجلًا، ما يعكس تردد الدولة في الانتقال من الاعتراف الرمزي إلى الاعتراف الفعلي، إلى أن فُرض الأمر بفعل الضغط المجتمعي وتغير السياق السياسي.
إن الاعتراف برأس السنة الأمازيغية لا يمكن فصله عن ميزان القوى بين الدولة والمجتمع، حيث أثبتت الشعوب الأصلية أن النضال الثقافي، حين يكون منظمًا ومتراكمًا، قادر على التحول إلى مكسب سياسي. غير أن هذا الاعتراف، على أهميته، يظل خطوة أولى لا تُغني عن المطالب الأوسع المتعلقة بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وإنصاف المناطق المهمشة، وإعادة كتابة التاريخ الوطني بشكل يعكس التعدد الحقيقي للهوية.
وفي الختام، يمثّل ينّاير أكثر من مجرد عيد تقليدي؛ إنه شاهد سياسي على انتصار الذاكرة الجماعية للشعوب الأصلية، ودليل على أن الهوية لا تُمنح من فوق، بل تُنتزع بالنضال من الأسفل.
