عماد العتابي/
قبل أسابيع نشرت مقالًا بعنوان “جيل Z المغربي: التنظيم شرط التغيير الحقيقي”، تحدثت فيه عن هذا الجيل الذي وُلد في زمن التحولات الرقمية وانفتح على عالم سريع الإيقاع. جيل يحمل في داخله غضبا مشروعا من البطالة وغلاء المعيشة والتهميش وغياب الأفق. وقد أكدت أن قدرته على التعبير والإبداع في الاحتجاجات هي شرارة قوية، لكنها تتحول إلى نقطة ضعف إذا بقيت مشتتة وغير مؤطرة.
اليوم، وبعد الانسحاب من الشارع، تتضح أمامنا الصورة التي كنت أحاول رسمها. الطاقات الشبابية، مهما كانت قوية وحيوية، تبقى معرضة للاستهلاك والتلاعب إذا لم تتحول إلى تنظيمات جماهيرية واضحة وبرنامج اجتماعي وسياسي يواجه بنية النظام وليس مجرد قشوره.
ما يجعل هذا الانسحاب أكثر وضوحا وأهمية هو أن الأسباب لا تقتصر على التعب أو الاستنزاف الطاقي. فالانسحاب مرتبط أيضا بـ القمع المخزني، الاعتقالات المكثفة، وأجواء التخويف المنتشرة، التي جعلت الحضور في الشارع مخاطرة كبيرة. القمع والاعتقالات لم يوقفا الطاقة الشبابية فقط، بل أظهرا هشاشة التنظيم غير المؤطر، وحاجتها الملحة إلى قيادة جماعية قادرة على الصمود وحماية المشاركين، وتحويل الغضب العفوي إلى قوة مستمرة وقادرة على التأثير في المستقبل.
التجربة الأخيرة تؤكد أيضا ما أشرت إليه سابقا حول القوى التي يمكن أن تستثمر غضب الشباب. فاليمين الليبرالي يسعى دائما لتوظيف طاقات الشباب لإعادة إنتاج المنظومة الاقتصادية القائمة على الاستغلال والديون. أما جماعات الإسلام السياسي تقدم نفسها كبديل، لكنها غالبا ما تعيد إنتاج أشكال مختلفة من الاستبداد. أما القوى الإمبريالية وصناديقها الدولية فتراقب أي حركة شبابية يمكن توجيهها نحو مصالحها، بما في ذلك ما يسمى “الثورات الملونة”، التي تغيّر التوازنات دون المساس بمصالحها الاستراتيجية.
في هذا السياق، يظل جيل Z بلا تنظيم ورؤية واضحة معرضا لأن يصبح ضحية للاستهلاك والتلاعب، وضحية للإحباط حين يدرك أن الجهد المبذول لم يغير شيئا في الواقع، وضحية أيضا لسياسة الترهيب والقمع التي تهدف إلى تقليص قدرة الشباب على التعبير عن مطالبهم المشروعة.
والدرس الأساسي الذي يفرض نفسه بعد هذه التجربة هو أن الغضب والإبداع وحدهما لا يكفيان لإحداث التغيير. التغيير يحتاج إلى تنظيم جماهيري واضح، تنظيمات شبابية ديمقراطية قادرة على الصمود وتوجيه الطاقات نحو أهداف محددة، إلى برنامج اجتماعي وسياسي يواجه بنية النظام الاقتصادية والسياسية وليس مجرد مظاهر القهر أو القشور الشكلية، وإلى بناء وعي طبقي يربط المطالب الفردية بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية للطبقة العاملة والكادحين.
إن المبادرات الشبابية العفوية تظل شرارات مهمة، لكنها تكتسب معناها التاريخي فقط عندما تنصهر في ديناميات جماهيرية مؤطرة. لهذا يمكن القول أن الانسحاب من الشارع، يمكن اعتباره فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، ولتوجيه الغضب نحو البناء التنظيمي، ولإعداد قيادة قادرة على تحويل طاقات جيل Z إلى قوة فاعلة تاريخيا، بعيدا عن الإحباط أو الاستهلاك، وقادرة على مواجهة القمع والاحتواء بكل صلابة.
جيل Z المغربي اليوم أمام مفترق طرق حاسم. إما أن يظل قوة احتجاجية عابرة تُستهلك وتُستغل وتُحتوى، أو أن يرتقي إلى مستوى الفاعل التاريخي من خلال التنظيم والرؤية والبرنامج الاجتماعي والسياسي، ليصبح قادرا على صياغة مستقبل مختلف، قائم على الحرية والعدالة الاجتماعية، وينهي عقودا طويلة من الاستبداد والتبعية.
الانسحاب من الشارع ليس نهاية الطريق، بل رسالة واضحة عن حاجة الجيل للتأني والبناء الداخلي للقدرات الجماعية، ليحول الطاقة والغضب إلى قوة مستدامة، ويضمن أن تكون طاقات الشباب في المستقبل قادرة على تحقيق التغيير الحقيقي، وليس مجرد حضور عابر في مواجهة منظومة تستخدم القمع والترهيب وسيلة لإخماد صوت الشباب وإضعاف أثرهم التاريخي
