صبحي بوديح
السيد جمال بن عمر المستشار الأممي السابق ونائب الأمين العام للأمم المتحدة، والخبير الدولي في إدماج مؤسسات الدول الخارجة من مرحلة حرب يمثل واحدا من أبرز الأصوات الحقوقية التي فضحت انتهاكات الماضي القريب بالمغرب. فقد كان من ضحايا الاعتقال التعسفي في نهاية السبعينيات، حيث قضى ثماني سنوات بمعصوب العينين داخل أقبية درب مولاي الشريف، السيّء الذكر، الذي تحوّل إلى رمز للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وخلال فترة اعتقاله، كان الجلاد قدور اليوسفي أحد المسؤولين المباشرين عن الإشراف على التعذيب الذي طال بن عمر ومئات المعتقلين السياسيين.
وعندما التحق السيد جمال بن عمر بالأمم المتحدة في منتصف التسعينيات، فوجد نفس الجلاد ضمن الوفد الرسمي المغربي المشارك في أشغال لجنة حقوق الإنسان، في مهمة هدفها تلميع صورة المغرب وتبييض تاريخه الحقوقي. غير أن حضور الضحية إلى جانب الجلاد داخل أروقة الأمم المتحدة، ومع الضغوط التي مارستها المنظمات الحقوقية الدولية، أدى إلى طرد قدور اليوسفي من اللجنة، وهو ما شكّل انتصارًا رمزيا للعدالة، ورسالة قوية مفادها أن الانتهاكات لا تسقط بالتقادم، وأن الضحايا لهم صوت قادر على ملاحقة جلاديهم حتى في المحافل الدولية.
ليس غريبا على السيد جمال بن عمر أن يبدي تعاطفا مع حالة ناصر الزفزافي، فالرجل عاش بنفسه تجربة الاعتقال التعسفي والتعذيب الممنهج خلال سنوات الرصاص، وذاق ما تعنيه المحاكمات غير العادلة وحرمان الإنسان من أبسط حقوقه. هذا الإرث الشخصي من الألم جعله أكثر قدرة على الإحساس بمعاناة المعتقلين السياسيين، وأكثر وعيًا بالثمن الذي يدفعه المناضلون حين يطالبون بالحرية والعدالة الاجتماعية.
كما ينعدم في موقف جمال بنعمر أي نزعة جهوية أو ارتباط عاطفي لان السيد جمال بنعمر ينتمي إلى الريف أيضا، فتعاطيه مع ملف ناصر الزفزافي يستند إلى خلفيته الأكاديمية والعملية في مجال القانون الدولي وحقوق الإنسان، حيث تُملي المعايير الأممية النظر إلى أي انتهاك للحقوق والحريات باعتباره مسألة كونية تستوجب المتابعة والإنصاف، بغضّ النظر عن الانتماءات أو الأصول. إن انخراطه في هذا الملف يترجم التزامًا بمبدأ عدم الإفلات من العقاب، وبالمعايير الدولية التي تجعل من صون الكرامة الإنسانية واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا يتجاوز كل اعتبارات شخصية أو جهوية.
إن تعاطفه مع ناصر الزفزافي ورفاقه لا ينبع فقط من التضامن الإنساني، بل من قناعة راسخة بأن الدفاع عن الحقوق والحريات هو التزام أخلاقي لا يسقط بالتقادم، وأن حراك الريف حمل مطالب مشروعة تتقاطع مع القناعات الحقوقية للمستشار الأممي.
