- عماد العتابي
منذ بدايات التاريخ الحديث للمنطقة، كانت مسألة الهوية الدينية والسياسية محور صراع طويل ومتشعب، لكن ما يثير الانتباه حقا هو حجم التأثير الذي مارسه الشيعة في رسم خريطة القوى وموازين النفوذ في الشرق الأوسط. لكن، لنفترض للحظة، أن الشيعة لم يكونوا موجودين في المنطقة، وأن ثورة الحسين لم تحدث، تلك الثورة التي أصبحت رمزا للعزم والثبات على المبادئ والرفض لأي نوع من الرضوخ والاستبداد والاستعمار.
لو افترضنا هذا السيناريو، فإن منطقتنا اليوم كانت ستكون تحت السيطرة المطلقة للامبريالية، تتحكم في مصائر شعوبها بدون مقاومة تذكر، وتفرض عليهم إسلاما منبطحا، متماهيا مع مصالح القوى الكبرى، وخاصة الهيمنة الأمريكية والصهيونية. هذا الإسلام “الأمريكي” الذي يمثله أمثال أردوغان وصولًا إلى الجولاني وابن سلمان، لم يكن ليترك أي مساحة للمقاومة أو للهوية الحقيقية للأمة. كان سيصبح مجرد صورة باهتة، تُظهر الدين كأداة للطاعة والخضوع، لا كمنهج حياة قائم على القيم والمبادئ.
لكن التاريخ كان له رأي آخر. لقد خرجت ثورة الحسين لتشكل علامة فارقة في تاريخ هذه الأمة، ليس فقط كحدث ديني، بل كدرس ثوري وسياسي وأخلاقي عن الصمود في مواجهة الطغيان. هذه الثورة، رغم مرور أكثر من 14 قرنا، ما زالت تشكل مصدر إلهام للمقاومة في مواجهة الاستكبار العالمي، ومصدر قوة لمن يرفضون الخنوع أمام الاستعمار الجديد، سواء كان غربيًا أو إقليميًا.
إن إيران اليوم، ومحورها المقاوم، لم تكن مجرد دولة عابرة في التاريخ، بل كانت قوة تصحيحية، وضعت حدا لتوسع الاستكبار الصهيوأمريكي في المنطقة.
لقد تمكنت هذه الدولة، بجذورها الدينية والسياسية والتاريخية، من فرض واقع جديد على المسرح الإقليمي، يجعل من الصعب لأي قوة خارجية أن تسيطر بالكامل على الشرق الأوسط. وهذا ليس شعارا فارغا، بل حقيقة يراها كل مراقب لتوازن القوى اليوم. وهذا الاستبسال والشجاعة في مواجهة العدوان الصهيوأمريكي خير دليل.
من المهم أن نفهم أن هذه المقاومة لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة للتضحيات الكبيرة التي قدمها الشيعة عبر التاريخ. والحقيقة أنهم قاموا بغسل عار الأمة من الهزائم النفسية والسياسية والعسكرية، ونجحوا في إعادة الاعتبار للاسلام كمنهج مقاوم، وليس كأداة خضوع. فالمقاومة الشيعية أعادت للأمة ثقتها بنفسها.
لو نظرنا إلى الأحداث المعاصرة، نجد أن المقاومة لم تقتصر على الجانب العسكري أو السياسي فقط، بل تعداه إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي للأمة. فقد أعادت الشعوب إلى فهمها أن الدفاع عن النفس، وعن الكرامة، وعن الحق في تقرير المصير ليس خيارا بل واجبا دينيا وأخلاقيا. ومن هنا يأتي الدور المهم الذي لعبه العراق ولبنان واليمن وإيران وحتى المقاومة الفلسطينية التي تشكل امتدادا لهذا المحور الشريف، حيث شكلت القوى الشيعية محورا أساسيا في مواجهة مشاريع الامبريالية والصهيونية في المنطقة.
وهنا يبرز الفرق الجوهري بين الإسلام الحقيقي، القائم على التمسك بالمبادئ، والإسلام المنبطح الذي يقدس الزعامات بدل الرسالة. الإسلام الحقيقي، كما يظهر في الفكر الشيعي، والذي لا يقبل الضيم، ولا يساوم على الحق، ولا يتنازل عن كرامة الأمة. بينما الإسلام المزيّف، الموجه سياسيا، يقدس القوة والاستكبار ويبرر الاستسلام ويكرس التبعية للاسرائيلي والأمريكي.
إن الفضل يعود لتضحيات المقاومة وبيئة المقاومة، في أن يكون للشرق الأوسط صوت مستقل، وفي أن يكون للمقاومة معنى عملي على الأرض. لقد نجح الشيعة في أن يكونوا الدرع الحامي لموازين القوى، وفي أن يمنعوا المنطقة من الانزلاق إلى واقع تتحكم فيه القوى الكبرى بلا رادع. وهذه المعركة لم تتوقف، وستظل مستمرة مع كل محاولة للهيمنة على الأمة.
علاوة على ذلك، فإن الأثر الأخلاقي لثورة الحسين والوعي الشيعي يمتد إلى ما هو أبعد من السياسة والصراع العسكري. إنه أثر يُذكر الأمة دوما بأن العزة والكرامة والحق لا تُشترى، وأن المقاومة والشجاعة لهما مكانتهما في قلب كل مسلم حر. هذه القيم هي التي تجعل من الشيعة جزءًا لا يتجزأ من مستقبل المنطقة، لأنها تزرع في النفوس ثقافة رفض الظلم وتمكين الحق.
وفي المحصلة، إذا أردنا أن نفهم حقيقة الدور الذي لعبه الشيعة في الشرق الأوسط، علينا أن نتخيل العالم بدونهم. تخيلوا منطقتنا اليوم، بلا ثورة الحسين، بلا إيران، بلا لبنان المقاوم، بلا العراق الحامي للتوازن، بلا اليمن الرافض للخضوع. بكل تأكيد سيكون الشرق الأوسط مجرد ساحة خاضعة، بلا كرامة، بلا صوت مستقل، بلا مقاومة حقيقية، تحت سيطرة إسلام مزيّف، كما تريده أمريكا وإسرائيل.
