تحليل سياسي/
مع اقتراب 31 دجنبر 2025، آخر أجل قانوني لإيداع طلبات التسجيل في اللوائح الانتخابية، يتكرر المشهد نفسه الذي أصبح شبه ثابت في الحياة السياسية المغربية، موعد دستوري بالغ الأهمية يمر في هدوء شبه تام، دون نقاش عمومي حقيقي، ودون حملات تحسيسية واسعة، ودون إحساس بأن الدولة تعتبر هذا الاستحقاق مدخلا فعليا لممارسة المواطنة.
هذا الصمت لا يبدو معزولا أو عابرا، بل يندرج ضمن منطق أعمق يحكم تدبير الشأن الانتخابي، منطق لا يمكن فهمه إلا بالعودة إلى ما يُعرف في الأدبيات السياسية المغربية بـ«عقلية المخزن» في هندسة الانتخابات.
فعلى المستوى الشكلي، تلتزم الدولة بالقانون، والنصوص موجودة، الآجال محددة، والإجراءات متاحة لمن يبحث عنها. لكن على المستوى العملي، يتم الاكتفاء بالحد الأدنى من التواصل، وكأن التسجيل في اللوائح الانتخابية شأن إداري تقني، لا حدثا سياسيا مؤسسًا.
هذا التناقض بين وفرة النصوص وندرة الإرادة التحسيسية يعكس تصورا قديما للانتخابات، ليس باعتبارها آلية للتعبير الحر عن الإرادة الشعبية، بل أداة لضبط المجال السياسي والتحكم في مخرجاته.
في منطق المخزن، لم تكن الانتخابات يوما فضاء مفتوحا على المجهول، بل عملية محسوبة، تُدار بتوازن دقيق بين الانفتاح والتحكم. توسيع قاعدة المسجلين، خصوصا في صفوف الشباب والفئات غير المؤطرة حزبيا، يعني إدخال عناصر غير متوقعة إلى المعادلة، وهو ما لا ينسجم دائما مع فلسفة الاستقرار الانتخابي التي تفضّل ناخبا معروف السلوك، محدود العدد، وسهل التوقع. ومن هنا، يصبح ضعف التحسيس بالتسجيل ليس خطأً بريئا بالضرورة، بل جزءا من تدبير هادئ وغير معلن لمجال المشاركة.
هذا الأسلوب لا يقوم على المنع أو الإقصاء الصريح، بل على ما يمكن تسميته «الإقصاء الناعم»، فلا أحد يُمنع من التسجيل، لكن لا أحد يُشجَّع عليه بجدية. تُترك المعلومة في هوامش المواقع الرسمية، أو في بلاغات لا تصل إلا إلى المهتمين أصلًا بالشأن السياسي، بينما يُقصى أغلب المواطنين بحكم الواقع، لا بحكم القانون. وبهذا المعنى، تتحول المسؤولية من الدولة إلى الفرد، ويُختزل العزوف في كونه “اختيارا شخصيا”، رغم أنه نتاج بيئة سياسية لا تحفّز ولا تُقنع ولا تُشرك.
وهذا الصمت يتقاطع أيضا مع أزمة أعمق تتعلق بوظيفة الانتخابات نفسها. فحين يشعر المواطن أن نتائج الاقتراع لا تُحدث فرقا حقيقيا في السياسات العمومية، وأن مراكز القرار الأساسية تظل خارج دائرة المحاسبة الانتخابية، يصبح التسجيل في اللوائح خطوة بلا معنى. والمفارقة أن الدولة، بدل أن تواجه هذا الإحساس بإعادة الاعتبار للفعل الانتخابي، تبدو وكأنها تتعايش معه، بل وتديره، باعتباره عنصرا من عناصر التوازن العام.
إن هندسة الانتخابات في المغرب لم تعد تقوم فقط على تقسيم الدوائر أو نمط الاقتراع أو ضبط المشهد الحزبي، بل تبدأ من مرحلة أسبق بكثير، وهي مرحلة تحديد من يدخل أصلا إلى الجسد الانتخابي. فكلما كانت قاعدة الناخبين أضيق وأكثر خضوعا لمنطق الزبونية أو الولاءات المحلية، كلما كانت النتائج أقل إزعاجا. ومن هنا، فإن الصمت حول 31 دجنبر لا يمكن فصله عن هذا التصور البنيوي الذي يرى في المشاركة الواسعة مخاطرة أكثر منها قيمة.
في هذا السياق، يبدو سؤال “أين الدولة؟” سؤالا في محله، لكنه يقود إلى جواب غير مريح.. الدولة حاضرة، ولكن بمنطق الضبط لا بمنطق التعبئة. حاضرة في التنظيم، وغائبة في التحفيز والإخبار. حاضرة في القانون، ومتراجعة في السياسة. وهذا بالضبط ما يميز عقلية المخزن في تدبير الانتخابات.. الحفاظ على الشكل الديمقراطي دون المجازفة بمضمونه.
إن أخطر ما في هذا الصمت ليس فقط ما ينتجه من ضعف في التسجيل، بل ما يكرسه من قطيعة نفسية بين المواطن والفعل السياسي. فحين يصبح أهم مدخل للمشاركة مجرد إجراء إداري صامت، تفقد الانتخابات بعدها الرمزي، وتتحول “الديمقراطية” الشكلية إلى طقس دوري بلا روح.
وفي بلد يرفع في خطابه الرسمي شعار “النموذج الديمقراطي”، فإن الاستمرار في هذا النهج يطرح سؤالا عميقا حول أي ديمقراطية تروج الدولة المغربية العميقة.. ديمقراطية المشاركة أم ديمقراطية التدبير المحكوم بمنطق التحكم؟؟
هكذا، لا يبدو 31 دجنبر مجرد تاريخ إداري، بل مرآة تعكس علاقة الدولة بالمواطن، وحدود الانفتاح السياسي، وطبيعة الاختيارات العميقة التي تحكم هندسة الانتخابات في المغرب. صمتٌ ليس عارضا، بل دالّ، ويستحق أن يُقرأ بلغة سياسية قائمة بذاتها وواقعية.
