إلياس المرابط
قد تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبةً بريئة تُمارَس في تسعين دقيقة وتنتهي بصافرة الحكم. غير أن هذه البراءة سرعان ما تتبدد حين تدخل القومية إلى الملعب. عندها، لا يعود الفريق مجرد أحد عشر لاعبًا، ولا المباراة منافسة رياضية، بل استعادة رمزية لصراعات أقدم، تُخاض بأقدام لا بسيوف.
في هذا السياق، تتحول القومية من خطاب سياسي إلى طاقة انفعالية خام، تجد في كرة القدم مجالها الأوسع للانتشار. فالأمة، بوصفها بناءً متخيَّلًا، تحتاج دائمًا إلى لحظات تجسيد، وكرة القدم تمنحها ذلك التجسيد المكثف: علم، نشيد، جمهور، وخصم واضح. هنا يُختزل التاريخ، والاقتصاد، والسياسة، في نتيجة مباراة، وكأن مصير الشعوب يُقاس بعدد الأهداف لا بعمق التجربة الإنسانية.
ما يحدث في المدرجات ليس مجرد تشجيع، بل تمثيل شعائري للهوية. تُستعاد سرديات التفوق الحضاري، والتميز العرقي، والمظلومية التاريخية، داخل خطاب رياضي يبدو بريئًا في لغته، لكنه مشحون في دلالاته. الفوز يُقرأ بوصفه إثباتًا للذات الجماعية، والخسارة تُفسَّر كمؤامرة، أو ظلم، أو إهانة لا تُغتفر. هكذا، تُعاد إنتاج ثنائية “نحن” و“هم” في أبسط أشكالها وأكثرها انتشارًا.
في لحظات الانتصار، لا يقال إن الفريق فاز، بل إن “الأمة” انتصرت. وفي لحظات الهزيمة، لا يُلام الأداء، بل تُستدعى سرديات الإقصاء والتحيز والعداء التاريخي. بهذا المعنى، تصبح كرة القدم لغة سياسية بديلة، تُعبّر عما تعجز السياسة عن قوله مباشرة، وتُفرغ شحنات الغضب والاعتزاز في آن واحد.
الخطورة هنا لا تكمن في اللعبة ذاتها، بل في تحميلها أكثر مما تحتمل. حين تُختزل الشعوب في فرق، والحضارات في نتائج، يُختصر الإنسان في هوية جماعية صلبة، تُغلق الباب أمام النقد والعقلانية. يتحول اللاعب إلى ممثل للأمة، والحكم إلى رمز للظلم العالمي، والملعب إلى ساحة معركة رمزية تُستباح فيها اللغة العنصرية دون شعور بالذنب، لأنها تُقال باسم “الحماس” لا الكراهية.
في هذا الإطار، لا تكون القومية مجرد انتماء، بل وهم تفوق. وهمٌ يُقاس بالقوة البدنية، والسرعة، والصلابة، وكأن هذه الصفات دليل على تفوق حضاري أو أخلاقي. يُستدعى العرق ضمنيًا، وتُستحضر الحضارة في الخطاب، وكأن التاريخ الطويل للشعوب يمكن اختزاله في مباراة واحدة، أو كأس عابر.
ومع ذلك، فإن كرة القدم تكشف أيضًا هشاشة هذا الوهم. فالفوز والهزيمة يتناوبان، والمنتصر اليوم قد يكون مهزوم الغد، ما يفضح زيف ادعاء التفوق الدائم. غير أن الوعي الجمعي، بدل أن يتعلم من هذه الدورية، يصرّ على إعادة إنتاج الوهم، لأنه يمنحه شعورًا سريعًا بالقيمة والانتماء، حتى لو كان مؤقتًا ومبنيًا على إسقاطات رمزية.
إن القومية، حين تدخل ملعب كرة القدم، تتعرّى من ادعائها العقلاني، وتظهر في أكثر صورها بدائية: رغبة في الغلبة، حاجة إلى الاعتراف، وخوف عميق من الهامشية. تصبح اللعبة مرآة صادقة لما تحاول الخطابات السياسية إخفاءه: أن كثيرًا من صراعات الشعوب لا تُدار باسم المصالح فقط، بل باسم وهم التفوق والهوية المغلقة.
لهذا، لا يمكن فهم شغب الملاعب، ولا الخطاب العدائي بين الجماهير، ولا تحويل المباريات إلى أزمات دبلوماسية، دون إدراك أن كرة القدم ليست سوى ساحة حديثة تُمارَس فيها القومية بوصفها وهمًا فعّالًا، قادرًا على التعبئة، لكنه عاجز عن إنتاج معنى إنساني دائم.
في النهاية، لا تكشف كرة القدم عن حقيقة الأمم، بل عن حاجتها المستمرة إلى تصديق قصة ما عن نفسها، حتى لو كانت تلك القصة لا تُروى إلا على وقع هتاف، أو هدف، أو صافرة حكم.
