منذ أربعة عشر عاما، وقف الأمين العام لحزب الله ليحذّر بوضوح أن ما يجري في سوريا لم يكن سوى محاولة مدروسة لنقلها إلى دائرة النفوذ الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية. كان الرجل آنذاك في قمّة البصيرة السياسية، يرى ما غاب عن أعين كثيرين من نخب الأمة وحركاتها، حتى تلك التي رفعت شعار المقاومة، ابتلعت التضليل الأمريكي ومشت وراء الأوهام.
لكن، في المقابل، أصرت جماعات الإخوان المسلمين، وفي مقدمتها جماعة العدل والإحسان، على أن تكون رأس حربة مشروع “إسرائيل الكبرى”، تتزيّن بالشعارات الثورية فيما هي تُنفّذ، عن قصد أو عن جهل، أجندة الخراب المرسومة للمنطقة. ومع مرور الزمن، تكشّفت الحقائق وانفضحت الأدوار.. فالمواقف التي بدت آنذاك “مبدئية” لم تكن في حقيقتها سوى بهلوانيات سياسية، تنقّلات متقلبة على خشبة مسرح الخراب، تُدار بالريموت من واشنطن وتل أبيب.
يبدو أن جماعة العدل والإحسان تعتقد أن العالم عبارة عن مسرح كبير، وأنها ممثلة بارعة تستطيع بهلوانياتها السياسية أن تنزل بها من أي شجرة متى شاءت، لتصرّح بما يخالف الواقع وتدّعي البراءة.
البيان الأخير حول لقاء وزير الخارجية السوري بوزير الكيان الصهيوني في باريس، الذي وصفته الجماعة بـ”الانحراف”، أشبه بمشهد كوميدي، لأنه في الحقيقة استمرار طبيعي لمسارهم التاريخي، مسار الثورة الصهـ.يوأمريكية التي دعمتها وموّلتها إسرائيل وأمريكا، والتي كانت جماعة الإخوان المسلمين بكل مشتقاتها أداة تنفيذية لها.
لننفض الغبار عن التاريخ قليلا، من سوريا إلى ليبيا وتونس ومصر ولبنان، كان الإخوان المسلمون وأدواتهم دائما في الصفوف الأمامية لخراب الدولة الوطنية، ينفذون التعليمات، يشعلون النزاعات الطائفية، ويحركون الجماهير الإعلامية كما يحرك السائق عربة الجولف على ملعب الغولف. انسحاب جماعة العدل والإحسان من حركة 20 فبراير بتوجيه مباشر من السفير الأمريكي في الرباط؟ لم يكن سوى مشهد آخر في مسرحية الطاعة العمياء لأسيادهم، مع تصفيق داخلي كبير منكم لأنكم “نفذتم المهمة بنجاح”.
الاجتماع في باريس بين السوريين والإسرائيليين ليس انحرافاً، بل هو ثمرة طبيعية لسنوات طويلة من العمالة والتآمر، التمويل الإسرائيلي والأمريكي والخليجي، التحريض الطائفي، وزرع الفتن على الأرض. وكل بيان تصدرونه اليوم للتبرأ من سلطة الامر الواقع الإرهابية في سوريا، هو محاولة فاشلة لتلميع صورتكم، مثل وضع كحل على جرح مفتوح لا يمكن تغطيته.
باختصار، لا تحاولوا خداع أحد بمسيراتكم وبياناتكم، ولا تتصوروا أن الكلمات الرنانة تمحو التاريخ. أنتم أدوات، مطيعون لأسيادكم، وكل بهلوانياتكم السياسية لن تخفي حقيقة واحدة؛ أنكم كنتم ولا تزالون جزءا من آلة الخراب الصهـ.يوأمريكية في المنطقة. كل بيان تضامني، وكل مسيرة، ما هي إلا محاولة يائسة لتلميع وجوهكم الملطخة بدماء الأبرياء، بينما التاريخ يراقب ويضحك عليكم، وسيسجل أفعالكم بكل وضوح، دون أي حاجة لمساعدتكم في ذلك.
التاريخ لا يرحم، والذاكرة لا تُمحى وأوراق التوت التي حاولتم الاحتماء بها سقطت منذ زمن، وما تبقى ليس سوى حقيقة عارية، أنكم كنتم، وما زلتم، الوجه الآخر لمشروع الخراب الصهـ.يوأمريكي في المنطقة.
