عماد العتابي
في الريف، حيث التاريخ ممتد والذاكرة الجماعية مثقلة بالاحتجاجات والجراح، تبدو حرية التعبير واحترام الرأي الآخر مجرد شعار جميل يُرفع في المؤتمرات والأوراق، لكنه لا يعيش في الواقع اليومي. في العائلة، في الشارع، وفي النقاش العمومي والسياسي، لا يُنظر إلى الرأي المخالف كتنوع أو إثراء للفكر، بل كخيانة يجب محاربتها.
لا وجود حقيقي لحرية التعبير ولا لاحترام الرأي الآخر. ما يُقال عن ذلك مجرد إشاعة متداولة، شعار يُرفع حين نريد أن نتزين أمام الآخرين، بينما الواقع يكذب كل كلمة. هنا، الاختلاف لا يُنظر إليه كتنوع، إنما كخيانة صريحة. من يجرؤ على الخروج عن السرب يتحول فورا إلى عدوّ يجب سحقه.
السحق لا يكون بالنقاش ولا بالحجة. بل بالوصم والتشهير حيث تُلصق به التهم الأخلاقية الثقيلة (شذوذ، دعارة، انحراف) ويُحاكم في شرفه وكرامته قبل أن يُحاكم في أفكاره. إنها أسلحة جبانة، لكنها فعّالة، لأنها تُقصيه اجتماعيًا وتُحوّله إلى منبوذ.
المفارقة المؤلمة أن هذا العنف الرمزي لا يصدر عن السلطة وحدها، بل عن القاعدة نفسها، قد يصدر عن العائلة، عن الجيران، عن أبناء الريف بعضهم مع بعض. في الشارع، في المقاهي، في المجالس وحتى في النقاش السياسي، كل من يختلف في الرأي يُذبح معنويا. إنها ثقافة متجذرة ترى في النقاش تهديدا، وفي الحرية خطرا، وفي الرأي الآخر خيانة.
والنتيجة؟ مجتمع يتقن الصمت لا الكلام. شباب يتعلمون أن يبتلعوا أفكارهم قبل أن ينطقوا بها. نقاش عمومي عقيم، يستهلك طاقته في وصم الأشخاص بدل مناقشة القضايا. بدل أن نواجه البطالة، التهميش والهجرة، ننشغل بتكسير بعضنا رمزيًا.
نعم، المشكل ليس في الدولة فقط. الدولة تستفيد من هذا الوضع، لكن العيب فينا نحن، في ثقافة محلية تُفضّل الإجماع القسري على الحوار، وتُقدّس “سمعة الجماعة” أكثر مما تحترم حرية الفرد.
إذا أردنا تغييرا حقيقيا، يجب أن نعترف بهذا العيب المؤلم، فنحن نقتل المختلف بيننا معنويا قبل أن تقتله أي سلطة. نحن من يحوّل الرأي إلى جريمة، والحرية إلى وهم. ولن يكون هناك مستقبل أفضل إلا إذا تجرأنا على قلب هذه القاعدة؛ أن نرى في الاختلاف قوة لا تهديدا، وفي الرأي الآخر ثراءً لا خيانة.
إلى ذلك الحين، ستظل حرية التعبير في الريف مجرد إشاعة، جميلة على الورق، قبيحة في الواقع.
