عماد العتابي
ي الحروب الحديثة، لم تعد الأسلحة الفتاكة ولا الطائرات المقاتلة هي الأداة الأولى لحسم المعركة، بل أصبح الإعلام، والمصطلحات، والرأي العام نعم، الرأي العام هو السلاح الأخطر، والجبهة الأهم.
أدركت واشنطن مبكرا أن “الانتصار العسكري” لا يتحقق فقط في ساحة المعركة، بل في ذهن المتلقي. فطالما أن الشعوب تُخدع بحكاية محبوكة جيدا، فلن تعارض الغزو، بل قد تطالب به. وهنا تبدأ الحرب الحقيقية: حرب على الوعي.
صناعة العدو.. وتجميل الحرب
تاريخ السياسة الأمريكية مليء بالأمثلة التي تُظهر كيف يتم اختراع مبررات لتدخلات دامية. ليست نظريات مؤامرة، بل وثائق مكشوفة:
في 1962، قدّم جنرالات البنتاغون خطة “عملية نورث وود”، لتفجير طائرة أمريكية مدنية، واتهام كوبا بهدف غزوها. خطة مكتملة، موقّعة، وموجهة لوزير الدفاع. رفضها كينيدي، لكن الفكرة كانت هناك:
“إذا لم يكن هناك سبب للحرب، اصنع واحدا.”
وفي فيتنام (1964)، برّرت واشنطن تدخلها بـ”حادثة خليج تونكين”، التي ثبت لاحقا أنها مضخّمة، أو حتى مفبركة.
أما العراق (2003)، حيث خاضت الولايات المتحدة غزوا دمويا استنادا إلى أكذوبة “أسلحة الدمار الشامل”. لم يُعثر على شيء. لكن الحرب كانت قد التهمت كل شيء.
وفي الحرب رب على أفغانستان، وأحداث 11 سبتمبر، نموذج لاستخدام الصدمة لتوجيه الرأي العام نحو معركة طويلة، وسط اتهامات بأن بعض دوائر القرار كانت تعرف أو استغلت.
أوكرانيا اليوم، تُقدم فيها روسيا كالمعتدية بشكل مطلق، بينما يتم تجاهل سنوات من تحذيرات موسكو من توسّع الناتو.
فالسؤال ليس “من بدأ”، بل “من صاغ الرواية أولا؟”
غزة وسيناريو التهجير: هل هي حرب على فلسط.ين فقط؟
ما يجري في غز.ة ليس مجرد رد عسكري على عملية مقاو.مة، بل يبدو كجزء من مخطط أوسع لإعادة تشكيل الخريطة السياسية والديمغرافية للمنطقة.
التحليلات تتحدث عن “رغبة إسرائيلية في تهجير الفلسط.ينيين نحو سيناء”، وهو ما ترفضه مصر بشكل قاطع. لكن خلف هذا الرفض الرسمي، تبدو هناك محاولة لاستدراج القاهرة إلى الفخ:
ضغوط إعلامية وسياسية مركزة.
تقارير غربية تتحدث عن مصر كطرف في الأزمة.
محاولات لإظهارها كدولة عاجزة أو متواطئة، تمهيدا لعزلها أو ابتزازها دوليا.
والأخطر، هو محاولة إرهاق الجيش المصري عبر أزمات حدودية مفتعلة، أو دفعه لاستجابات عسكرية في توقيتات حرجة.
مصر تفهم اللعبة.. وترفض الانجرار
بعيدا عن الخطابات الشعبوية، اختارت القيادة المصرية الهدوء الاستراتيجي، وهو ما لم يعجب من كان ينتظر ردودا عاطفية.
لكن الحقيقة أن الانجرار إلى معركة غير محسوبة قد يكون الهدف الأساسي من كل ما يُبث.
البيانات المصرية كانت واضحة:
“سيناء خط أحمر.”
“التهجير لن يُسمح به، وسنرد عسكريا إذا لزم الأمر.”
وفي الداخل، أظهر الرأي العام المصري وعيا لافتا. لم يبتلع الطُعم الإعلامي، ولم يركض خلف “نقاط بطولية وهمية”. بل أدرك أن المعركة الكبرى اليوم هي معركة بقاء، وليست مباراة صخب إعلامي.
الكاميرا أقوى من القذيفة..
وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، دونالد رامسفيلد، لخّص الأمر حين قال:
“من يكسب الرأي العام، يكسب الحرب.”
وهذا ما فهمته واشنطن، وتُتقنه إسرائيل، ويبدو أن كثيرا من الأنظمة في العالم العربي لا تزال تتعلّمه.
فالصورة باتت أقوى من الموقف، والكلمة المختارة بعناية قد تُسقط دولة، أو تبرر مجزرة.
وهكذا، أصبحت الكاميرا ليست أداة توثيق، بل أداة تشكيل. والمراسل الحربي لم يعد “ينقل الحدث”، بل يصنع روايته الخاصة منه.
في الختام..
نحن لا نعيش عصر الحقيقة، بل عصر “الرواية”.
ومن لا يصوغ روايته، ستُصاغ له واحدة، وتُفرض عليه كواقع.
والحروب الكبرى القادمة، قد تبدأ من استوديو، لا من خندق.
فاحذر أن تُقاتل في معركة لم تبدأها، وتُهزم في حرب لم تُدر أنها بدأت.
