تقرير/ المغرب
على وقع تصعيد غير مسبوق، تعيش جامعة ابن طفيل أزمة حادة تعكس توترا متناميا بين الإدارة الجامعية وطلبة مناضلين في صفوف “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، في سياق وطني موسوم بجدل واسع حول مستقبل الجامعة العمومية. فبين قرارات الطرد الجماعي، والمتابعات القضائية، وخوض أشكال احتجاجية متواصلة، تتشكل ملامح مواجهة مفتوحة تتجاوز أسوار الحرم الجامعي، لتطرح أسئلة عميقة حول حرية العمل النقابي وحدود تدبير الاختلاف داخل الفضاء الأكاديمي.
في قلب هذه التطورات، تبرز قضية الطالبة فاطمة بنعيسى، المسجلة بماستر “قانون المنازعات”، التي تحولت إلى أحد أبرز وجوه هذا الملف، حيث تخوض منذ أيام اعتصاما مفتوحا داخل الجامعة إلى جانب عدد من الطلبة المطرودين. وتؤكد بنعيسى في تصريح لـ”صدى الحقيقة” أنها ليست “ضحية قرار إداري معزول”، بل مستهدفة ضمن ما وصفته بـ”مسلسل قمعي ممنهج” يطال مناضلي فصيل الطلبة القاعديين التقدميين. وتشير إلى أن اعتقالها بتاريخ 4 فبراير 2026، ووضعها تحت الحراسة النظرية لمدة 72 ساعة، تم “دون أدلة مادية ملموسة”، قبل أن تُدان ابتدائيا بشهرين حبسا نافذاً وغرامة مالية إلى جانب عدد من الطلبة.
وتعتبر بنعيسى أن الحكم الصادر في حقها ورفاقها “يفتقر لروح العدالة” ويحمل “خلفية سياسية واضحة”، قبل أن تضيف أن الإدارة الجامعية سارعت إلى إصدار قرار طرد نهائي في حقها استنادا إلى نفس التهم، وهو ما اعتبرته “خرقاً سافراً” لمبدأ عدم محاكمة الشخص مرتين على الفعل ذاته. وتصف الطالبة هذا القرار بـ”الإعدام الأكاديمي”، معتبرة أنه يهدف إلى تجريدها من حقها في التعليم، المكفول دستورياً وكونياً.
وترى المتحدثة أن “جريمتها الحقيقية” لم تكن سوى ممارستها لحقها في التعبير والاحتجاج السلمي، خصوصاً في سياق رفض مشروع القانون رقم 59.24، الذي تعتبره الحركة الطلابية “انتكاسة” تهدد مجانية التعليم وتفتح الباب أمام إخضاع الجامعة لمنطق السوق. وتشدد على تمسكها بحقها في استكمال دراستها، ومواصلة نضالها إلى جانب رفاقها “حتى إسقاط قرارات الطرد”.
وفي خضم هذه الأزمة، يواصل الطلبة المعتصمون خطواتهم الاحتجاجية داخل الجامعة. وفي تصريح لـ”صدى الحقيقة”، أكد “نسيم” أحد الطلبة المعتصمين أن ما يجري هو “ضريبة للموقف النضالي”، موضحا أن قرارات الطرد والاعتقال التي طالت 21 طالبا وطالبة “ذات طابع سياسي كيدي”، وتهدف إلى “إفراغ الجامعة من مناضليها واجتثاث الفعل الطلابي المنظم”.
وأضاف أن اللجوء إلى الاعتصام السلمي جاء كرد فعل على “انسداد قنوات الحوار” واعتماد الإدارة لما وصفه بـ”المقاربة القمعية”، عبر مجالس تأديبية اعتبرها “صورية”. واعتبر أن تحويل الجامعة إلى “فضاء مغلق أمام التعبير” لن يوقف الحراك، بل سيدفع نحو مزيد من التصعيد، مؤكداً أن الطلبة “أكثر إصراراً على مواصلة المعركة”.
ولم يقف التصعيد، بحسب المتحدث، عند حدود الطرد، بل امتد إلى “ممارسات ضغط وتهديد مباشر” في حق طلبة آخرين، من خلال استدعائهم لمكاتب بعض المسؤولين وتهديدهم بعقوبات مماثلة في حال استمرارهم في الاحتجاج. واعتبر أن هذه الأساليب تعكس “حالة ارتباك” لدى الإدارة أمام اتساع رقعة التعبئة الطلابية.
من جانبها، تربط فاتي بنعيسى ما يجري داخل الجامعة بسياق أوسع يتسم بـ”التضييق على الحريات وضرب المكتسبات التاريخية”، مشيرة إلى أن ما تعرفه الجامعة اليوم ليس معزولا، بل يأتي في إطار “نزيف عام” يمس الحقوق والحريات. وتؤكد أن سلسلة الأشكال النضالية التي خاضها الطلبة، من مسيرات ووقفات وإضرابات، قوبلت بداية بـ”التجاهل”، قبل أن تتحول إلى “قمع مباشر” شمل الاعتقالات والأحكام القضائية.
وتضيف أن هذا المسار أسفر عن “الطرد الجماعي” الذي طال العشرات من الطلبة، معتبرة إياه “إجراء أشد قسوة من العقوبات التأديبية المعتادة”، بل “وسيلة لإقصاء الأصوات المزعجة داخل الجامعة”. كما تتهم جهات داخل الإدارة بمحاولة الحد من التغطية الإعلامية للاحتجاجات، ومنع الصحافة من مواكبة الاعتصامات، إلى جانب تسجيل “سلوكات غير لائقة” صدرت عن بعض الأطر الجامعية.
وفي مقابل هذا الوضع، يؤكد الطلبة المطرودون والمعتصمون تشبثهم بما يعتبرونه “حقاً مشروعاً” في التعليم والتنظيم والتعبير، معلنين استمرارهم في خوض أشكال نضالية “تصعيدية” إلى حين التراجع عن قرارات الطرد وفتح حوار جدي حول مطالبهم.
أمام هذا المشهد المتوتر، تبدو جامعة ابن طفيل أمام اختبار حقيقي يكشف حجم الهوة بين تطلعات الطلبة وأساليب التدبير المعتمدة. وفي ظل غياب حوار جدي ومسؤول، يزداد شعور الطلبة بالتهميش، رغم مشروعية مطالبهم التي تعكس حرصا على كرامة الفضاء الجامعي ودوره الحقيقي. وبين روايات رسمية متضاربة، يظل الواضح أن ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف إداري عابر، بل هو تعبير عن أزمة أعمق يعيشها الطالب المغربي، الذي يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن حقه في جامعة تضمن له الحرية والإنصاف بدل أن تضيق عليه سبل التعبير والمشاركة.
