تقرير/
في مفارقة تاريخية لافتة، يكشف تقرير نشره موقع La Vanguardia عن واحدة من أكثر السياسات إثارة للجدل في عهد فرانسيسكو فرانكو، حيث قام ببناء خطاب “أخوة” بين المسيحيين والمسلمين، رغم أن نظامه كان قائما على هوية كاثوليكية محافظة وشديدة الانغلاق.
خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936–1939)، قدّم فرانكو حملته العسكرية على أنها “حرب صليبية” ضد خصومه الجمهوريين. غير أن هذا الخطاب لم يمنعه من الاعتماد بشكل كبير على آلاف المقاتلين المسلمين القادمين من شمال المغرب، والذين شكّلوا قوة قتالية حاسمة ضمن صفوفه.
هذا التناقض دفع النظام إلى ابتكار سردية جديدة، حيث تم تحويل هؤلاء الجنود إلى جزء من مشروع “تحالف روحي” بين الإسلام والمسيحية، بدل اعتبارهم عنصرا غريبا داخل حرب دينية.
بحسب التقرير، روّجت ماكينة الدعاية الفرانكوية لفكرة أن الإسبان والمسلمين تجمعهم روابط تاريخية وثقافية، ووصفتهم أحيانًا بـ“الإخوة” أو “الحلفاء الطبيعيين”. ولم يكن ذلك مجرد خطاب إعلامي، بل تُرجم إلى إجراءات على الأرض، مثل تسهيل أداء الشعائر الدينية للجنود المسلمين ودعم رحلات الحج إلى مكة لبعضهم. بل وتم التركيز على إظهار احترام رسمي للرموز الإسلامية في المناطق الخاضعة للنظام
بعد انتهاء الحرب الأهلية، وجد نظام فرانكو نفسه معزولا دوليا، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية. حيث اكتسبت هذه “الأخوة” بعدا جديدا بعد محاولة التقرب من الدول العربية والإسلامية وتقديم إسبانيا كدولة صديقة للمسلمين. ولم يكن هذا الخطاب الديني سوى أداة دبلوماسية تهدف إلى تحسين صورة النظام خارج أوروبا.
رغم هذا الانفتاح الظاهري، بقيت إسبانيا في الداخل دولة كاثوليكية الطابع، ولم يتحول هذا “التقارب” إلى سياسة إدماج حقيقية للمسلمين داخل المجتمع الإسباني. وهو ما يكشف الطبيعة البراغماتية، بل والانتهازية لهذه السياسة.
اليوم، يرى المؤرخون أن هذه التجربة تمثل مثالا واضحا على كيفية توظيف الدين في خدمة السلطة. فـ“الأخوة” التي تحدّث عنها فرانكو لم تكن مشروع تعايش بقدر ما كانت أداة تعبئة عسكرية ودعاية سياسية في زمن الأزمات.
وهذا التاريخ يترك سؤالا مفتوحا حول استخدام الدين في السياسة، وعن الكيفية التي يمكن بها للسلطة أن تصنع سرديات أخوة أو تحالفات تبدو إنسانية وثقافية، بينما تكون في حقيقتها أدوات للتحكم والتأثير.
