- إلياس المرابط
لم يعد تحليل الظواهر الاقتصادية المعاصرة مقتصرًا على المؤشرات الكمية أو على ديناميات العرض والطلب وحدها، بل أصبح يشمل أيضًا دراسة الخطاب الاقتصادي والإعلامي الذي يؤطر تفسير هذه الظواهر داخل المجال العام. ففي كثير من الحالات، لا تُفهم الأزمات أو الارتفاعات في الأسعار فقط من خلال بنيتها الاقتصادية، بل كذلك عبر السرديات التفسيرية التي تُبنى حولها. وقد أظهرت دراسات الاقتصاد السياسي أن هذه السرديات قد تعمل أحيانًا على إعادة توجيه النقاش العام بعيدًا عن الأسباب البنيوية، عبر ما يمكن تسميته صناعة الذريعة الاقتصادية.
تشير هذه الآلية إلى اختزال ظاهرة اقتصادية معقدة في سبب ظرفي أو خارجي، بحيث يبدو الارتفاع في الأسعار أو حدوث الأزمة نتيجة مباشرة لعامل واحد ظاهر. وقد أشار الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل Robert Shiller في كتابه Narrative Economics إلى أن الأفكار الاقتصادية لا تنتشر في المجتمع بوصفها تحليلات تقنية فقط، بل بوصفها قصصًا وسرديات قادرة على التأثير في إدراك الجمهور للأحداث الاقتصادية. هذه السرديات، حين تتكرر عبر الإعلام والخطاب العام، يمكن أن تتحول إلى تفسير شبه بديهي للواقع، حتى عندما تكون أكثر تعقيدًا مما توحي به الرواية السائدة.
يرتبط بذلك ما يمكن وصفه بـ التضليل الاقتصادي الإعلامي، أي تقديم تفسير اقتصادي انتقائي أو مبسط للأحداث، من خلال اختيار عناصر محددة من الواقع وتضخيمها. وقد بيّن الاقتصادي Joseph Stiglitz في عدد من أعماله حول الاقتصاد السياسي للعولمة أن الخطاب الاقتصادي السائد كثيرًا ما يُستخدم لإضفاء شرعية على سياسات أو أوضاع اقتصادية معينة، عبر تقديمها باعتبارها نتيجة حتمية لقوى السوق أو للظروف الدولية.
ومن الآليات المرتبطة بذلك أيضًا تحويل المسؤولية إلى عامل خارجي، وهي استراتيجية تفسيرية تقوم على إرجاع أسباب ظاهرة اقتصادية داخلية إلى صدمات أو أحداث دولية. هذه الآلية ليست جديدة في تاريخ الاقتصاد السياسي؛ إذ لاحظ المؤرخ الاقتصادي Karl Polanyi في تحليله لتحولات الاقتصاد الحديث أن الخطاب الاقتصادي قد يميل أحيانًا إلى تجريد الظواهر الاقتصادية من سياقها الاجتماعي والمؤسسي، بحيث تبدو كأنها نتيجة قوى خارجية أو طبيعية لا يمكن التحكم فيها.
وفي السياق نفسه يظهر ما يمكن تسميته تسويق الأزمة، أي توظيف خطاب الأزمة بوصفه إطارًا تفسيريًا دائمًا للأوضاع الاقتصادية. وقد طورت الكاتبة والباحثة Naomi Klein هذا التحليل في مفهوم “عقيدة الصدمة” (The Shock Doctrine)، حيث توضح كيف يمكن للأزمات — أو حتى الخطاب الذي يضخمها — أن يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل النقاش الاقتصادي وتبرير سياسات أو تحولات في السوق.
غير أن هذه السرديات لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية الاقتصادية نفسها، خاصة في السياقات التي تلعب فيها أنماط اقتصاد الريع والمضاربة دورًا مهمًا في تحديد الأسعار. ففي الأسواق التي تهيمن فيها حلقات الوساطة أو حيث تكون آليات التنظيم ضعيفة، قد تتحول الأخبار الدولية أو الأزمات الجيوسياسية إلى فرص للمضاربة ورفع الأسعار، حتى عندما يكون تأثيرها الفعلي على العرض والطلب محدودًا.
من هذا المنظور، فإن تحليل ظواهر الغلاء أو الأزمات الاقتصادية يتطلب مقاربة مزدوجة تجمع بين البنية الاقتصادية للأسواق والخطاب الذي يفسرها في المجال العام. فحين تتكرر صناعة الذرائع وتحويل المسؤولية إلى الخارج ضمن الخطاب الإعلامي، يتحول النقاش الاقتصادي إلى سلسلة من التفسيرات الظرفية، بينما تبقى العوامل البنيوية -مثل تنظيم السوق، وسلاسل التوزيع، وبنية المضاربة – خارج دائرة التحليل الفعلي.
