عماد العتابي
في كل مرة يحقق فيها المغرب إنجازا رياضيا أو ثقافيا، تعود إلى السطح أسئلة الهوية، ويتجدد الجدل القديم حول “من نحن؟” وبأي لسان نتحدث ونحتفل.
بين من يرفع شعار “المنتخب العربي” ومن يتساءل عن غياب الإشارة إلى “الأمازيغية”، تتكشف مفارقة عميقة في علاقة المغاربة بذاتهم، وعن ازدواجية التعامل مع المكوّنات التي تشكل شخصيتهم الجماعية.
عندما يقال إن “المنتخب المغربي أول منتخب عربي يفوز بكأس العالم”، تُستقبل العبارة بعاطفة جماعية حارة، وكأنها تأكيد للانتماء إلى فضاء عربي أوسع.
لكن حين تُكتب العبارة نفسها بصيغة مختلفة: “المنتخب المغربي أول منتخب أمازيغي يفوز بكأس العالم”، يتحول المشهد إلى توتر واتهامات بزرع الفتنة، بل قد تصل بعض ردود الفعل إلى التخوين.
لماذا؟ ما الذي يجعل الأمازيغية، وهي الأصل التاريخي للأرض والإنسان المغربي، محلّ حذر وخوف حين يُعبَّر عنها علنا، بينما يُحتفى بانتماءات أخرى دون تحفظ؟
لفهم هذه الازدواجية، لا بد من العودة إلى جذور تشكّل الخطاب الهويّاتي الطارئ في المغرب الحديث. منذ استقلال البلاد الشكلي سنة 1956، تبنّت الدولة خطابا سياسيا مؤسَّسا على العروبة والإسلام، بوصفهما ركيزتين للوحدة الوطنية. كان ذلك خيارا سياسيا في سياق “عربي عام” في الشرق الأوسط، حيث كانت “الوحدة العربية” شعار المرحلة.
هذا التوجه جعل المكوّن الأمازيغي، رغم عمقه التاريخي، يتراجع إلى الهامش الثقافي والسياسي.
فتمّ “تعريب” المدرسة والإدارة والإعلام، بينما ظلّت الأمازيغية لغة البيت والقرية، لغة يُتحدث بها لا يُكتب بها.
ومع مرور الزمن، صار التعبير عن الأمازيغية في الفضاء العام محاطا بالتحفظ، وكأنها خصوصية محلية لا تليق بالمشهد الوطني الكبير الذي يسعى للاجهاز على الأمازيغية وهوية الأرض لصالح الأموية السياسية.
ومن حسن حظنا، أن الوعي الأمازيغي ظل يقاوم ثقافيا وفكريا، إلى أن انتُزع الاعتراف الدستوري سنة 2011، حين نصّ الدستور على أن “الأمازيغية لغة رسمية للدولة، باعتبارها هوية جميع المغاربة ورصيدا مشتركا لهم”.
لكن الاعتراف القانوني لا يعني دائما اعترافا اجتماعيا أو نفسيًا. لأن الثقافة المهيمنة في التعليم والإعلام والسياسة ما زالت تميل إلى مركزية العروبة بوصفها هوية جامعة، في حين تُعامَل الأمازيغية غالبا كعنصر تكميلي أو رمزي.
وتبقى الرياضة أهم مرآة صافية لتصورات وانفعالات المجتمع. فالمنتخب المغربي لكرة القدم، الذي وحّد المغاربة خلال مونديال قطر 2022، كشف بوضوح عن هذا التوتر الهويّاتي.
بينما تباهى الإعلام العربي/العنصري بالإنجاز بوصفه “فخر العرب”، حرص كثير من المغاربة على التذكير بأن هذا المنتخب مغربي أولًا، وأن فرحته تمثل مزيجا من الأمازيغية والإفريقية والإسلام وقليل من العربية…
لكن بعض الأصوات الغيورة، حين حاولت إبراز البعد الأمازيغي للمنتخب، سواء من خلال اللغة أو الرموز أو الشعارات، قوبلت بموجة اتهامات، بأنها تثير النعرات أو تسعى لتقسيم المجتمع
المفارقة هنا أن الخطاب الذي يحتفي بالعروبة لا يُعتبر تقسيميا، بينما الخطاب الذي يستحضر الأمازيغية يُتهم بالانفصالية.
وما كان في السابق خيارا سياسيا فوقيا أصبح اليوم موقفا شبه شعبيا يكاد يكون متجذرا.
فحين تُنشر عبارة “المنتخب الأمازيغي”، غالبا ما تأتي الانتقادات من مواطنين عاديين، لا من مسؤولين حكوميين، كأنهم يحرسون الهوية الوطنية من “خطر وهمي”.
هذا الحضور القوي لرفض الأمازيغية في الفضاء الشعبي يكشف أن المعركة لم تعد بين الدولة والمجتمع، بل داخل المجتمع نفسه، حيث ينتقل الصراع إلى الوعي الجمعي ويصبح جزءا من الثقافة اليومية.
يخاف بعض المغاربة من الأمازيغية ليس لأنها لغة أو ثقافة، بل لأنها تعيدهم إلى تاريخهم المتعدد وتطرح أسئلة عن الانتماء.
الجيل الذي تربى على فكرة أن “المغربي عربي بالضرورة” يرى في الأمازيغية تحديًا لهويته المستقرة.
هكذا يتحول رفض الأمازيغية إلى موقف شعبي مدعوم بعاطفة، يرتكز على قناعة رسّخها التعليم والإعلام لعقود، تفيد أن الوطنية تعني الانتماء إلى أمة وهمية تسمى “الأمة العربية”، وأي حديث عن الأمازيغية يُفسر على أنه تهديد للوحدة. والمفارقة أن هؤلاء المغاربة يحتفلون بالأمازيغية في الموسيقى والفلكلور، لكنهم لا يقبلونها كهوية متكاملة.
وسائل الإعلام ومنصات التواصل تعكس هذا الانقسام بوضوح، حيث المنشورات بالأمازيغية أو عن الأمازيغية تتقابل مع سخرية أو رفض، في حين يُنظر إلى العربية على أنها لغة “محايدة” أو رسمية دون نقد.
وهكذا، تتحول الأيديولوجيا الشعبية إلى رقابة يومية تمارسها الجموع على نفسها وعلى الآخرين، ما يعكس مدى ترسّخ ازدواجية التعامل مع الهوية.
لن يكون هناك وئام وطني حقيقي دون مصالحة ثقافية شجاعة، والاعتراف بأن الأمازيغية ليست مكوّنا طارئا، بل هي أصل وجوهر الأرض والإنسان.
وهذه المصالحة تتطلب عملًا طويل المدى في التعليم والإعلام والأسرة والمجتمع الرقمي.
حين يفهم المغاربة أن الاعتراف بالأمازيغية لا يقلل من أحد، بل يثري الجميع، وحين يصبح قول المنتخب المغربي، فخر الأمازيغ والعرب معا، أمرا طبيعيا، عندها فقط سيخرج المغرب من دائرة الازدواجية، ويحقق توازنه بين ما هو رسمي وما هو شعبي، بين ما يعلنه وما يشعر به في أعماقه
