تقرير/
في عالمٍ لم تعد فيه السماء بعيدة عن ساحات الصراع، سقطت واحدة من أكثر الأساطير التكنولوجية رواجًا في العصر الحديث؛ أسطورة الإنترنت الذي لا يُهزم.
لسنوات، جرى الترويج لشبكة «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك بوصفها نظامًا قادرًا على تجاوز الحدود والسيادات، وإنترنتًا يعمل فوق الجميع، لا تعيقه الجغرافيا ولا تقوى عليه الدول.
غير أن ما شهدته الساحة الإيرانية مؤخرًا قلب هذه الصورة رأسا على عقب، وفتح بابا واسعا لإعادة النظر في حدود القوة التكنولوجية حين تصطدم بإرادة الدولة وأدواتها السيادية.
فقد أثارت التقارير المتداولة نقاشا واسعا حول قدرة إيران على تعطيل خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، في تطور أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة ما كان يُقدَّم باعتباره إنجازًا تقنيا غير قابل للإيقاف.
الإنترنت الذي قيل إنه يخترق أي مكان في العالم، ويصمد أمام كل أشكال التشويش، وجد نفسه ، بحسب هذه الروايات عاجزًا عن الحفاظ على حضوره داخل نطاق جغرافي محدد.
وتعود خلفية هذه القضية إلى إعلان إيلون ماسك، في وقت سابق، تفعيل خدمة الإنترنت الفضائي داخل إيران بزعم دعم “المتظاهرين” المدعومين من إسرائيل وأمركيا ومخابرات الغرب، في خطوة رحبت بها الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما اعتبرتها طهران تدخلًا مباشرا في شؤونها الداخلية، واستخدامًا للتكنولوجيا كسلاح سياسي وأمني.
ومنذ تلك اللحظة، أكدت السلطات الإيرانية أن إدخال الإنترنت الفضائي خارج الأطر القانونية يمثل خرقًا للسيادة الوطنية، ويمثل جزءًا من حرب هجينة تستهدف استقرار الدولة من بوابة الفضاء الرقمي.
وبحسب تقارير تقنية وإعلامية، فإن إيران لم تعتمد الأسلوب التقليدي في مواجهة «ستارلينك» عبر تعطيل البرمجيات أو ملاحقة السوفتوير، بل لجأت إلى استهداف البنية المادية للنظام نفسه.
وتشير هذه الروايات إلى استخدام أجهزة تشويش عالية القدرة تعتمد على قصف ترددي مكثف ومتعدد الطبقات، يهدف إلى زعزعة استقرار موجات الاتصال ومنعها من الحفاظ على تردد ثابت أو اتصال شبه مستقر.
وتفيد هذه التقارير بأن نطاق التشويش شمل مساحة جغرافية واسعة، قُدِّرت بآلاف الكيلومترات، ما أدى إلى تعطّل فعلي لخدمة الإنترنت الفضائي في المناطق المستهدفة.
ويرى مراقبون أن هذا التطور يمثل تحولًا نوعيًا في أساليب مواجهة شبكات الاتصالات الفضائية، ونقلة من مرحلة التصدي البرمجي إلى مرحلة استهداف الهاردوير ذاته.
ويُقارن محللون بين هذه الحالة والتجربة الأوكرانية، حيث تمكنت «ستارلينك» من تجاوز محاولات التشويش الروسية عبر تحديثات تقنية متلاحقة، ما عزز صورتها كنظام مرن وقادر على الصمود.
غير أن الحالة الإيرانية، إن صحت، تكشف عن ثغرة مختلفة وأكثر عمقًا، تتعلق بإمكانية تحييد الإنترنت الفضائي عندما يُستهدف من جذوره التقنية لا من واجهته البرمجية.
ويرى خبراء أن ما جرى يتجاوز كونه حادثة تقنية عابرة، ليصل إلى كسر رمزي لفكرة «الإنترنت المطلق» الذي لا يخضع للدول ولا يعترف بالسيادة.
فنجاح تعطيل شبكة فضائية بهذا الحجم ستكون له انعكاسات مباشرة على الثقة العالمية في هذا النوع من الخدمات، وعلى خطط استخدامه في الأزمات والصراعات، فضلًا عن تأثير محتمل على القيمة السوقية وتسعير خدمات «ستارلينك».
وفي ظل غياب تأكيد تقني مستقل من شركة «سبيس إكس» أو من إيلون ماسك ينفي أو يثبت بشكل قاطع ما حدث، تبقى هذه التطورات مؤشرًا واضحًا على أن معركة السيطرة على الاتصالات لم تعد تدور على الأرض فقط.
لقد امتدت إلى الفضاء، حيث لم تعد التكنولوجيا وحدها كافية لفرض الهيمنة، وحيث باتت السيادة والإرادة السياسية عاملين حاسمين في إسقاط أكثر الأساطير التقنية بريقًا.
