- نبيل الجمل/ اليمن
تشهد المنطقة تحولاً جذرياً في موازين القوى، حيث تبرز إيران اليوم كقوة إقليمية صلبة ترفض الانكسار أو الخضوع لمنطق الإملاءات الخارجية، مقدمةً نموذجاً فريداً في الصمود الشعبي والعسكري. إن المشهد الراهن يؤكد أن طهران تجاوزت مرحلة الدفاع التقليدي إلى مرحلة “الردع الاستراتيجي الشامل”، مستندة إلى قاعدة شعبية تؤمن بسيادتها وقوات مسلحة طورت ترسانة قادرة على اختراق أكثر المنظومات الدفاعية تعقيداً في العالم.
يتجلى هذا الصمود في الموقف السياسي الواضح الذي يعلنه صانع القرار الإيراني، حيث لم تعد لغة التهديد تجدي نفعاً مع شعب تمرس على مواجهة الضغوط. وما تصريحات الخارجية الإيرانية بشأن مضيق هرمز إلا تأكيد على أن أمن الملاحة الدولية ليس شيكاً على بياض، بل هو عملية متبادلة مشروطة باحترام حرية التجارة الإيرانية. الرسالة هنا واضحة ولا تقبل التأويل: “بدلاً من التهديد، تعاملوا باحترام”، فإيران لا تغلق الممرات المائية، بل إن “الحروب الاختيارية” والتحرشات المعادية هي التي تزرع الرعب في قلوب شركات التأمين وتزعزع استقرار الاقتصاد العالمي.
وعلى الصعيد العسكري، انتقلت إيران من لغة الدبلوماسية التقليدية إلى “دبلوماسية الصواريخ”، حيث بات صاروخ “خورمشهر” هو رئيس الوفد المفاوض الحقيقي. هذا التحول يعكس إدراكاً عميقاً لدى القيادة الإيرانية بأن الأعداء، وعلى رأسهم الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب، يمارسون سياسة الخداع ونقض المواثيق. فبينما يروج الإعلام الغربي لأوهام المفاوضات والتهدئة، تدرك طهران أن هذه مجرد مناورات غادرة لامتصاص الزخم الإيراني، ولذلك تستمر في تطوير قدراتها التدميرية لردع أي حماقة صهيونية أو أمريكية.
إن العمليات الأخيرة التي نفذها حرس الثورة الإيراني كشفت هشاشة “الأسطورة” التي حاول العدو الصهيوني تسويقها حول منظوماته الدفاعية. فبضربات دقيقة ومنسقة باستخدام صواريخ “فتاح” و”قدر” و”عماد” وطائرات مسيرة انقضاضية، تهاوت الدفاعات الجوية للاحتلال أمام موجات الهجوم الكاسحة. استهداف العمق في “ديمونا” و”عراد” و”أم الرشراش” و”بئر السبع” لم يكن مجرد رد فعل، بل كان زلزالاً عسكرياً خلف مئات القتلى والجرحى في الساعات الأولى، وسط تعتيم إعلامي صهيوني مشدد وضغوط أمنية هائلة على الصحفيين لإخفاء حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية العسكرية والمنشآت الحساسة.
هذا الصمود الإيراني لا يقف وحيداً، بل يتكامل مع بطولات محور المقاومة، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان، الذي فتح جبهة قتال مكثفة استنزفت قدرات العدو وشتتت تركيزه. إن تكامل الأدوار بين طهران وبيروت وبقية جبهات الإسناد يغير معادلات الحرب بسرعة البرق، ويضع الكيان الصهيوني أمام حقيقة مرة وهي أن “السيطرة الدفاعية” التي كان يتغنى بها قد انهارت فعلياً.
إن إيران اليوم، بشعبها الصابر وقواتها المتأهبة، ترسل رسالة نهائية للعالم: إن زمن الصمت على الاعتداءات قد ولى، وإن أي محاولة للمساس بأمنها أو ثرواتها ستواجه برد يزلزل الأرض تحت أقدام المعتدين. هي معادلة جديدة عنوانها “الندية والاحترام”، أو مواجهة مصير محتوم من الدمار والانهيار لكل من تسول له نفسه اختبار الإرادة الإيرانية التي لا تلين.
