الرباط/ المغرب
شكّل قرار إعفاء نور الدين بنسودة من مهامه على رأس الخزينة العامة للمملكة حدثًا بارزًا داخل الأوساط السياسية والإدارية، بالنظر إلى رمزية المنصب وحساسيته، وكذلك لطول الفترة التي قضاها المسؤول المعفى في قيادة واحدة من أهم مؤسسات تدبير المال العام بالمغرب.
فبنسودة، الذي تولى منصب الخازن العام للمملكة لأزيد من ستة عشر عامًا، يُعد من أقدم وأقوى الأطر داخل وزارة الاقتصاد والمالية، وارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بعدد من الأوراش الكبرى المتعلقة بتحديث منظومة الخزينة، وتدبير موارد الجماعات الترابية، ومواكبة الإصلاحات المرتبطة بالمالية العمومية.
جاء الإعفاء بقرار من وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، في سياق توصف فيه العلاقة بين عدد من المؤسسات المالية والهيئات الترابية بنوع من التوتر، خصوصًا فيما يتعلق بملفات تحصيل الجبايات المحلية، وتدبير المتأخرات، وحكامة الإنفاق العمومي.
ورغم غياب بلاغ رسمي يوضح الأسباب الدقيقة لهذا القرار، إلا أن مصادر متطابقة تشير إلى أن الإعفاء يندرج ضمن حركة تغييرات داخلية تروم إعادة ترتيب هرم المسؤوليات داخل الوزارة، وتحضير الأرضية لمرحلة جديدة من الإصلاحات المرتبطة بالمالية العمومية.
تم تكليف المدير العام لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة بتولي مهام الخازن العام بالنيابة، في خطوة تحمل أكثر من دلالة. فمن جهة، تعكس رغبة في ضمان الاستمرارية وعدم إحداث فراغ على رأس مؤسسة استراتيجية، ومن جهة أخرى تطرح تساؤلات حول طبيعة التغيير المرتقب: هل هو مجرد تبديل أسماء داخل نفس الدائرة الضيقة من كبار المسؤولين، أم بداية لتحول أعمق في منطق تدبير المناصب العليا؟
يذهب بعض المتتبعين إلى اعتبار إعفاء بنسودة مؤشرًا على تفعيل منطق ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في ظل الانتقادات التي وُجهت لتدبير بعض الملفات المالية الحساسة. في المقابل، يرى آخرون أن غياب توضيحات رسمية حول أسباب الإعفاء يفتح الباب أمام قراءة مختلفة، مفادها أن الأمر يتعلق أساسًا بإعادة تموقع داخل نفس النخبة الإدارية، دون مساس حقيقي بالبنية العميقة لمنظومة القرار.
والسؤال الجوهري؛ هل نحن أمام إعادة تدوير نخب المخزن؟
هل يعكس إعفاء بنسودة بداية قطيعة مع نمط تدبير تقليدي قائم على تثبيت نفس الأسماء في مواقع النفوذ، أم أنه مجرد حلقة جديدة في مسلسل إعادة تدوير نخب المخزن داخل مواقع مختلفة من السلطة؟
فالتجربة المغربية خلال العقود الأخيرة أظهرت أن عددًا من كبار المسؤولين، حتى بعد إعفائهم من مناصبهم، يعودون لاحقًا لشغل وظائف أخرى لا تقل أهمية، ما يجعل من مفهوم “الإعفاء” أحيانًا أقرب إلى إعادة انتشار داخل المنظومة بدل كونه محاسبة فعلية.
في ظل هذه المعطيات، يبقى الرهان الحقيقي هو مدى اقتران هذه التغييرات بإجراءات ملموسة لتعزيز الشفافية، وتكريس مبدأ المحاسبة، وربط المسؤولية بالنتائج، بدل الاكتفاء بإعادة ترتيب الوجوه داخل نفس الدائرة المغلقة.
وإلى أن تصدر توضيحات رسمية أكثر دقة، سيظل إعفاء نور الدين بنسودة حدثا مفتوحا على أكثر من قراءة، بين من يراه خطوة إصلاحية، ومن يعتبره جزءًا من دينامية إعادة تدوير النخب داخل بنية المخزن.
